سياحة عربية .. لما لا؟ بقلم د.عبدالوهاب البراري

عبدالوهاب البراري: مكتب تونس مجلّة السياحة العربيّة
عالمنا العربي والإسلامي الذي يتربّع على 22 وطنا ويقطنه ما يزيد 456 مليون مواطنا، تحتضنه مياه البحر الأبيض المتوسط شمالا والمحيط الأطلسي غربا والمحيط الهندي شرقا.


وطن غنيّ بتراث ضارب في القدم ومتجذّر في التاريخ، موطن لأشهر مدن الدّنيا ومهد لعديد الحضارات ومنارة مضيئة في طريق العلوم والأدب ومهبط الأنبياء والرّسل.


تتعايش فيه جميع الأديان في تناغم انسانيّ جميل لم تمحه بعض الأحداث العابرة ومحاولات تشويه صورته الناصعة. يعيش على أرضه الطيّبة المسلم والمسيحي واليهودي، لم تفرّقهم أديانهم بل تعايش فيه الصّليب والهلال والشمعدان.


لم تفرّقهم محاريبهم فاختلطت حياتهم اليومية وجمعتهم طاولات مقاهيهم ودكاكين أزقّتهم وزادت أفراحهم وأتراحهم من تآخيهم وتكاتفهم.
لغة واحدة، وتاريخ واحد ظاهره مشوّه حينا وباطنه مسالم برغم الوجع أحيانا.
حدود أوطانه وراياتها لم تؤثّر على لحمته وحبّ مواطنيه لبعضهم البعض…
هذا الوطن الكبير غنيّ بجمال طبيعته مهما تنوّعت ألوانها واختلفت أشكالها…
جمال ربّانيّ، هبة من لدن بديع السماوات والأرض…


صحاري وغابات وسلاسل جبلية وأنهار وبحار تجعل منه لوحة مرسومة بريشة ربّانيّة أو قطعة فسيفساء خالدة من العهد الرّوماني القديم.

وطن ظلّ قبلة لملايين الزّائرين من مشارق الأرض ومغاربها، فاسأل أزقّة فاس المغربية العتيقة عنهم وشواطئ مدينة الحمّامات التونسية والاهرامات والسيّدة زينب وبنغازي وبيروت ودمشق والقائمة تطول…


فالكرم عربي وحسن الضيافة عربيّ والجمال عربيّ أو لا يكون…
مع كلّ هذا وذاك يظلّ المواطن العربي بعيدا بعض الأميال عن التّمتع بتلك الخيرات.


هل أنّ رغبته في ذلك غائبة؟
هل الحدود المرسومة قد وقفت في وجهه وحرمته ذلك النّعيم؟
أم أنّ السّياحة العربية لم تنجح بعد في اقناعه واستدراجه الى اكتشاف عالمها؟
أو أنّ كلّ ذلك الجمال على تنوّعه أقلّ اغراء من أنوار باريس وطبيعة اسبانيا وشواطئ ميامي؟
كلاّ… انّه غياب الارادة الجادّة والتنسيق بين الأقطار العربية وتسهيل الإجراءات والتّراتيب المعقّدة أو الغاؤها تماما.
نظرة سريعة على تراثنا العربي الممتدّ من المحيط الى المحيط وتلك المعالم التّاريخية التي تحكي حياة الانسان والحضارات التي تعاقبت، كلّ ذلك يؤكّد أن لا شيء ينقصنا سوى البعض من التعاون في سبيل تحقيق ما من شأنه الارتقاء بسياحتنا العربية الى المرتبة التي تليق بها وبنا، مرتبة لا نستجديها من أحد.


ماذا لو حدّدنا أسعارا منخفضة للسياحة الدّاخلية بمعنى سياحة لأبناء الوطن داخل وطنهم؟ ولخبراء المال والاقتصاد الدّراية الكافية لتأكيد الفوائد النّاجمة عن مثل هذا التّمشّي حفاظا على المخزون الوطني من العملة الصّعبة.


ماذا لو وضعنا برنامجا واقعيّا متكاملا لفائدة العرب (على غرار الاتّحاد الأوروبي) وبتكاليف مدروسة ولكم أن تتخيّلوا الفوائد الكثيرة التي يؤمّنها مثل هذا القرار؟
ماذا لو شجّعنا زيارة المعالم الدّينية الإسلامية منها والمسيحية واليهودية؟ اذ لا يخلو وطن عربي من التّراث الدّيني المتنوّع بعيدا عن التعصّب الدّيني البغيض الذي لا نجده في ثقافتنا العربية إذا ما استثنينا بعض الفئات القليلة التي لا تمثّل السّواد الأكبر من أمّة 456 مليونا.


كلّ ما يبحث عنه أتباع كلّ ديانة وكلّ مؤرّخ موجود في كلّ وطن من أوطاننا العربية، ليست لدينا ثقافة العداء والنّفور ممّن خالفنا المعتقد، فان لم يكن غيرنا أخا لنا في الدّين فهو أخ لنا في الانسانيّة.
وتعايشنا السلمي رغم اختلاف عقائدنا ليس وليد الأمس بل متجذّر فينا وفي حياتنا منذ آلاف السنين. أشهر الكنائس موجودة في مصر وسورية وفلسطين ولبنان، وأقدم معبد يهودي في القارة الافريقية موجود في جزيرة جربة التونسية والأمثلة عديدة.
لا تنافر بين المسجد ومرتاديه والكنيسة وروّادها والمعبد وزوّاره.
ماذا لو تعاونت الجهات المسؤولة على السياحة في وطننا العربي الكبير للترويج لما سبق في الشرق والغرب كلّ بما يستطيع ويقدر؟ أم أنّ الدّعاية للسياحة الأوروبية هو من أولويّاتنا على حساب ما لدينا من تاريخ وحضارة وتراث؟
ماذا لو شجّعنا الجمعيّات العاملة في دنيا السياحة العربية والتشبيك بينها في إطار ما تسمح به القوانين المعمول بها في أوطاننا العربية؟


الكفاءات لا تنقصنا. والموارد البشرية المختصّة متوفّرة بسخاء…
إذا ما الذي ينقصنا؟
لا شيء غير الإرادة الصّادقة والإدارة المسؤولة والتّعاون الجادّ. فهنا مربط الفرس وهنا الحلول الممكن تجسيدها على أرض الواقع.
كفانا تشرذما وتنافرا وكفانا حسابات ضيّقة.
فمتى نبدأ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *