جليلة كلاعي تونس
من عمق السكون الذي خيّم على رُبى "بلاد المرجان" لست سنوات عجاف، انبعثت من جديد تلك النغمة العتيقة المشبعة برائحة البحر والقرنفل، لتعلن أن مدينة طبرقة التونسية لا تجيد النسيان، بل تتقن حياكة الصبر انتظارا للحظة الانعتاق الإبداعي الأجمل.


هذا البعث الجديد يقدم قراءة تحليلية عميقة للتحولات اللوجستية والفلسفية التي صاحبت المهرجان في حلته المعاصرة؛ فلأول مرة في تاريخه، يغادر المهرجان عباءة مسرح "البازيليك" الأثري الكلاسيكي ليحتضنه "المسرح البحري" المفتوح على أفق المتوسط اللامتناهي. هذا الانتقال الجغرافي ليس مجرد تغيير في جدران العرض، بل هو إعادة صياغة للعلاقة البصرية والسمعية بين الموسيقى والطبيعة، حيث يمتزج صخب أمواج البحر وهديرها بإيقاعات الـ "البلوز" والـ "السينغ". إن الذكاء التنظيمي لهذه الدورة تجلى في كسر النمط النخبوي السائد للمهرجانات الكبرى، من خلال المزاوجة بين العروض التجارية الكبرى داخل الفضاء المغلق، وعروض "جاز الشارع" المجانية النابضة بالحياة وسط أزقة المدينة الثائرة بالألوان، مما يحول طبرقة بأكملها إلى مسرح مفتوح يلغي الحواجز الطبقية والثقافية بين السائح الأجنبي والواطن المحلي.

على المستوى الفني والجمالي، جاءت الخيارات الفنية للدورة العشرين لتؤكد على فلسفة التنوع وحوار الحضارات التي قام عليها المهرجان منذ نشأته، فافتتاح السهرات ببصمة عازف البيانو الكوبي العالمي "ألفريدو رودريغيز" لم يكن اختيارًا اعتباطيًا، بل هو استدعاء صريح لإيقاعات الجذور الإفريقية واللاتينية المشتركة التي تلتقي مع الروح التونسية المتوسطية.
يتجلى هذا العمق التحليلي في قدرة المهرجان على جمع مدارس موسيقية متباينة في غضون أيام قليلة، يمتد عبرها الجسر بين موسيقى الشمال والجنوب، من ثورية وأنثروبولوجيا العروض الجزائرية، إلى عمق الروح الأمريكية السوداء مع "دي دي بريدجواتر" وفيرونيكا سويفت، وصولاً إلى التجريبية العربية المعاصرة مع اللبناني طارق يمني.

في المحصلة، يتجاوز مهرجان طبرقة للجاز حدود الحفل الموسيقي ليصبح رافعة اقتصادية وتنموية حاسمة لمنطقة الشمال الغربي، فالانتعاش الفوري الذي تشهده الفنادق، والمطاعم، وأسواق الحرف التقليدية وصيد المرجان خلال فترة المهرجان، يثبت أن الاستثمار في الثقافة هو المحرك الحقيقي للسياحة المستدامة.






Comments
No comments yet.