جليلة كلاعي تونس
لم تكن ليلة السادس والعشرين من جويلية لعام 2026 مجرد ليلة صيفية عابرة على ضفاف المتوسط، بل كانت اللحظة التي تلتحم فيها عراقة التاريخ بقدسية الفن الأصيل.

يأخذنا هذا الحدث، في عمقه التحليلي، إلى ما وراء حدود الركح الموسيقي. إن صمود آلاف المتفرجين لأكثر من ساعة تحت وطأة أمطار مغتسلة بنسيم الجبل والبحر، متمسكين بأماكنهم أمام شبابيك مغلقة سلفًا، يعكس ظاهرة سوسيولوجية وفنية تستحق التأمل. فالجمهور التونسي، بوعيه الجمالي المعهود، أثبت مجددًا أن العلاقة بينه وبين الطرب الأصيل هي علاقة وجدانية متجذرة لا تؤثر فيها تقلبات الطقس. هذا الشغف الجماهيري، الذي قوبل بامتنان جارف من "ملك الإحساس" الذي استذكر ثلاثين عامًا من الوفاء المتبادل مع تونس، يمثل في جوهره رأس مال غير مادي يخدم مباشرة قطاع السياحة المحلية.

من زاوية أخرى، يكشف المخطط الفني لهذه الدورة، التي تقودها المديرة إقبال الحمزاوي وتستمر حتى الثالث عشر من أوت، عن رؤية استراتيجية واعية تعتمد على التنوع والعمق الثقافي كعناصر جذب رئيسية. إن صياغة برنامج يجمع بين النجوم العرب الفاعلين مثل وائل جسار، وبين التجارب البديلة كالثنائي نور وسليم عرجون، والامتداد المغاربي عبر فرقة "البسطة" و"أمين بابيلون"، فضلاً عن العروض المسرحية والموسيقية المحلية ذات البعد الطليعي، يمثل قراءة ذكية لمتطلبات السائح المعاصر. لم يعد الزائر يبحث عن الترفيه السطحي، بل بات يطلب تجربة ثقافية متكاملة تتسم بالأصالة والتعددية. هذا المزيج المدروس يعزز من تنافسية مهرجان بوقرنين كمنصة إشعاع عربي ودولي، قادرة على استقطاب فئات متنوعة من السياح الباحثين عن عمق المضمون وجودة الأداء.
في المحصلة، يثبت افتتاح مهرجان بوقرنين الدولي في دورته الحالية أن الثقافة هي القوة الناعمة التي تعيد رسم ملامح الجذب السياحي في تونس والمنطقة العربية. إن نجاح ليلة الافتتاح رغم التحديات المناخية، والإعلان عن مشاريع فنية جديدة من قلب ضاحية بن عروس، يبعث برسالة قوية ومطمئنة حول حيوية المقاصد السياحية التونسية وقدرتها على تنظيم تظاهرات كبرى تجمع بين سحر المكان وعراقة الإبداع.






Comments
No comments yet.