عبد الوهاب البراري تونس مجلة السياحة العربيّة
بعد أن تساءلنا في مقالنا السابق: لماذا يحقّ لنا اعتبار الأوطان العربية أولى بالاستكشاف؟ وخلصنا إلى أنَّ خلف "البهرج" السياحي العالمي كنوزاً عربية لم تُكتشف بعد. نستهل اليوم أولى محطات رحلتنا في قلب الجزيرة العربية؛ حيث تلتقي القداسة بالحداثة في لوحة استثنائية. من أفق الشرق، حيث يمتزج جلال التاريخ بشموخ الحاضر، تطلُّ المملكة العربية السعودية لا كوجهة سياحية عابرة، بل كملحمةٍ إنسانية كُتبت فصولها بمداد الفخر والقداسة. تبدأ الحكاية من مكة المكرمة والمدنية المنورة، حيث تشرق أنوار الروحانية كشمسٍ لا تغيب، وتهفو القلوب في خشوع مهيب، لترسم مشهداً إيمانياً تتجلى فيه آيات السلام الأبدي، وتمنح الزائر تجربةً روحية تتجاوز حدود الزمان والمكان، قبل أن تأخذه الرحلة نحو الشمال الغربي، حيث العُلا التي نطق الحجر في "مدائن صالح" بعظمتها، والمنحوتات الشامخة في قلب الجبال تقف كشواهد صامتة على أمجاد الأنباط وكبرياء الحضارة التي لا تموت، في مسرح كوني يجمع بين جلال الصنيع الإلهي وإبداع الأنامل البشرية. وفي قلب هذه الأرض، تتجلى الرياض كحاضرةٍ تعانق ناطحات سحابها النجوم، بينما تظل "الدرعية" بأسوارها الطينية جذراً ضارباً في أعماق الأرض، تروي قصة دولةٍ وُلدت من رحم الإصرار لتقود ركب المستقبل برؤية طموحة. هذا التناغم يمتد ليصل إلى عروس البحر الأحمر "جدة"، حيث المرجان يرقص تحت الأمواج، والبيوت القديمة بـ "رواشينها" الفاتنة تقصُّ حكايات البحّارة الذين عبروا المدى، وصولاً إلى نيوم التي تُبنى من نسيج الأحلام، وبرودة جبال عسير التي يلثم ضبابها القمم، لتؤكد أنك في حضرة مملكة تجمع بين هيبة الماضي وجموح الرؤية العالمية.
مكة المكرمة
ولا تكتمل فصول هذه الملحمة إلا بزيارة الأحساء، تلك الزمردة الخضراء المنثورة وسط تبر الرمال، حيث العيون الجارية تتفجر من قلب الصخر لتسقي ملايين النخيل الشامخة التي تحرس واحة الخلود. هناك، في ظلال جبل القارة وكهوفه التي نحتتها الريح بإعجاز باهر، يمتزج عبق التمر بوشوشات التاريخ، وكأن كل نخلة هي سطر في قصيدة وفاء تروي كيف غدت هذه الأرض هبة الله وكنزاً لا يجارى.

(مدخل المغارات في جبل القارة الواقع في محافظة الأحساء.)

(جبل الفيل، واحة الأحساء المدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو) إنها المملكة العربيّة السعودية، وليمة الضيافة العربية الأصيلة، حيث القهوة تُسكب بفيض الكرم، والترحاب ينبع من صدورٍ أوسع من صحاريها الذهبية، لتقدم للعالم دعوةً مفتوحة لاكتشاف كنوزها التي لا تؤثر فيها تجاعيد الزمن.










Commentaires
Aucun commentaire pour le moment.