عبد الوهاب البراري ـ تونس السياحة العربية
لطالما كانت شبه جزيرة سيناء الجسر الحضاري النابض الذي يربط بين قارات العالم القديم، ومسرحاً جغرافياً عبرته جحافل الجيوش وقوافل التجارة ومواكب الحجاج الأتقياء، غير أن رمالها الذهبية لا تزال تخبئ في جوفها فصولاً لم تُقرأ بعد من كتاب التاريخ الإنساني.

عند تفكيك البنية المعمارية لهذا الخان المكتشف، تبرز بوضوح فلسفة هندسية اعتمدت على الموازنة بين استغلال الموارد المحلية ومقاومة الظروف المناخية القاسية لصحراء سيناء. إن دمج الطوب اللبن مع الطوب الأحمر وتدعيمهما بأساسات من الأحجار الكلسية الضخمة يكشف عن وعي إنشائي متقدم يهدف إلى ديمومة المبنى واستقراره في منطقة مكشوفة. ويمتد هذا التحليل البنيوي إلى التخطيط الداخلي للخان؛ فالتقسيم الهندسي للحجرات الممتدة نحو الجهات الجغرافية الثلاث، وبروز غرف يرجح استخدامها كحوانيت ودكاكين لبيع المستلزمات اليومية، يثبت أن هذه المحطات لم تكن مجرد ملاجئ عابرة للمبيت، بل تحولت إلى مراكز اقتصادية مصغرة تؤمن الاكتفاء الذاتي لعابري السبيل، وتتشابه في فلسفتها مع الحواضر التجارية الكبرى لكن بنسخة ريفية صحراوية مصغرة تحاكي "خان الخوينات" الشهير.
تكتسب اللقى الأثرية المستخرجة من الموقع قيمتها من كونها وثائق مادية حية تعكس تفاصيل الحياة اليومية والنشاط الإنساني داخل الخان. فالأواني الفخارية الضخمة المخصصة لتخزين المياه والمؤن تشير إلى دور المحطة في مواجهة المعضلة الكبرى في الصحراء وهي شح المياه، بينما تعكس كسر الفخار المزجج بالطلاء الأخضر الزيتوني المتميز الرفاهية الفنية والذوق المعماري السائد في العصر المملوكي، والتي لم تقتصر على العواصم بل امتدت للمحطات النائية. ولعل العثور على مسارج الإضاءة والكسر التي تحمل حروفاً عربية قد تشكل اسم "الناصر" يمنحنا دليلاً دامغاً على الرعاية السلطانية المباشرة لهذه المسارات، حيث كان تأمين طريق الحج وسبل العيش عليه بمثابة شرعية سياسية ودينية كبرى يحرص السلاطين على ترسيخها.
في الأبعاد الاستراتيجية، يعيد هذا الكشف رسم الخريطة الجغرافية لشبكة الطرق القديمة، مؤكداً أن "درب الحاج المصري" كان شرياناً منظماً بدقة متناهية وليس مجرد مسارات عشوائية في الصحراء. إن وقوع هذا الخان على مسافة مدروسة من محطات تاريخية أخرى مثل الخوينات وعمورية وقاطية يكشف عن وجود منظومة متكاملة من البنية التحتية، شبيهة بـ "الاستراحات الذكية" في عصرنا الحالي، أقيمت على مسافات تتناسب مع قدرة القوافل والجمال على السير يومياً.






Commentaires
Aucun commentaire pour le moment.