عبد الوهاب البراري ـ تونس ـ السياحة العربيّة
لطالما كانت المدارج الرومانية بقرطاج شاهداً حياً على عبور الحضارات، وصوتاً يتردد صداه عبر التاريخ ليروي حكاية تمازج الفن بالروح التونسية الأصيلة، وهي التي تحولت على مدار عقود إلى قبلة لعمالقة الموسيقى العالمية.

إن هذه الخطوة التنظيمية المتمثلة في التفكير بتأسيس تظاهرة "Carthage OFF" تجسد تحولاً عميقاً في عقلية الصيانة والتوظيف للموروث المادي في تونس. فالرؤية الرسمية لم تعد تنظر إلى المعالم التاريخية كمتاحف جامدة تُغلق أبوابها فور انتهاء موسم المهرجانات الصيفية، بل كمنصات حية قادرة على تحريك العجلة الاقتصادية وتنشيط السياحة الثقافية على مدار السنة. ومع ذلك، فإن هذا الانفتاح لم يأتِ على حساب السلامة، إذ إن اشتراط صياغة كراسات شروط مرجعية ووضع معايير دقيقة لإسناد التراخيص يعكس إدراكاً عميقاً للمخاطر التي قد تهدد البنية التحتية الهشة للمواقع الأثرية نتيجة الاستغلال التجاري المكثف أو سوء التنظيم اللوجستي.
من الجانب التحليلي، يظهر هذا التمشي محاولة جادة لضبط المشهد الثقافي وتوحيد الإجراءات القانونية بين مختلف المتدخلين، لا سيما الجهات الخاصة والشركات المنظمة للعروض الحية. فبينما يطمح القطاع الخاص إلى استغلال رمزية قرطاج لتسويق عروض فنية وتجارية كبرى، تتدخل الدولة بصفتها حارساً للموروث لفرض "فلترة" نوعية، تضمن أن تكون طبيعة العروض الفنية منسجمة تماماً مع الخصائص الحضارية للموقع. هذا التناغم المطلوب ليس مجرد ترف جمالي، بل هو شرط أساسي للحفاظ على الهوية البصرية والرمزية لقرطاج، بما يحميها من التحول إلى مجرد مسرح تجاري مستباح يفقد قيمته الاعتبارية بمرور الوقت.
في النهاية، تمثل هذه المقاربة التونسية نموذجاً يحتذى به في سياق السياحة الثقافية المستدامة بالوطن العربي، حيث يتحول القانون والتنظيم إلى أداة لتمكين الفن وليس لكبحه.






Commentaires
Aucun commentaire pour le moment.