آخر الأخبار

القبول الجامعي.. لماذا لا تكفي الثقة وحدها لضمان المقعد؟*

شارك

تقرير – زكي الجوهر

مع اقتراب إعلان نتائج المرحلة الثانوية وبدء موسم القبول الجامعي، يعيش آلاف الطلبة وأسرهم حالة من الترقب، بينما يدخل البعض هذه المرحلة بثقة كبيرة في ضمان مقعدهم الجامعي، مستندين إلى معدلاتهم الدراسية أو تجارب سابقة سمعوا عنها. غير أن الواقع يؤكد أن الثقة، مهما كانت مبررة، لا تغني عن الاستعداد الدقيق وفهم آليات القبول التي أصبحت أكثر تنافسية وتعقيدًا، في ظل التوسع الكبير الذي تشهده الجامعات السعودية وارتفاع أعداد المتقدمين عامًا بعد عام.

ويُظهر الإنفوجرافيك أن منظومة القبول الجامعي لم تعد تعتمد على معدل الثانوية العامة فقط، بل أصبحت قائمة على معايير متوازنة، حيث يشكل اختبار التحصيلي 40% من معايير القبول، فيما يمثل اختبار القدرات العامة 30%، ويُخصص 30% لمعدل الثانوية العامة، بينما تعتمد بعض الجامعات والتخصصات كذلك على اختبار STEP لقياس مستوى اللغة الإنجليزية، مما يعكس توجهًا نحو قياس المهارات والمعارف بصورة أكثر شمولًا.

وتشير التقديرات إلى أن أعداد المتقدمين للجامعات ستواصل الارتفاع، مع توقع زيادة تبلغ 6.8% خلال العام الجامعي 2026/2027، وهو ما يعني أن المنافسة ستصبح أكثر حدة، خصوصًا في التخصصات الصحية والهندسية والتقنية التي تستقطب النسبة الأكبر من الطلبة.

كما يوضح التقرير تفاوت مستوى المنافسة بين مناطق المملكة، حيث جاءت المنطقة الشرقية في صدارة مؤشر المنافسة بمعدل 89 من 100، تلتها منطقة مكة المكرمة (87)، ثم منطقة الرياض (84)، وهو ما يعكس الكثافة السكانية والإقبال الكبير على الجامعات في تلك المناطق.

أما من حيث توزيع المتقدمين، فتستحوذ منطقة الرياض على 27.5% من إجمالي المتقدمين، تليها المنطقة الشرقية بنسبة 21.1%، ثم منطقة مكة المكرمة بنسبة 18.5%، بينما تتوزع النسب المتبقية على بقية مناطق المملكة، الأمر الذي يفسر تفاوت فرص المنافسة بين جامعة وأخرى ومنطقة وأخرى.

ويكشف التقرير أن أكثر التخصصات طلبًا على مستوى المملكة هي الطب، وطب الأسنان، والصيدلة، والهندسة، وعلوم الحاسب، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وعلوم البيانات، والتمريض، وإدارة الأعمال، وهي تخصصات تتطلب عادة معدلات مرتفعة ودرجات متميزة في اختبارات القبول بسبب كثافة الإقبال عليها.

ولا يقتصر الأمر على المنافسة الحالية، بل يمتد إلى احتياجات سوق العمل المستقبلية، إذ يتوقع التقرير أن تتصدر تخصصات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وعلوم البيانات، والروبوتات، والهندسة الحيوية، والطاقة المتجددة قائمة التخصصات الأكثر نموًا حتى عام 2035، انسجامًا مع التحول الرقمي ومستهدفات رؤية المملكة 2030.

وفي هذا السياق، أكد عدد من المهتمين بالإرشاد الأكاديمي أن مرحلة القبول الجامعي تتطلب وعيًا أكبر من الطلبة وأسرهم، وأن الثقة بالنفس يجب أن تكون دافعًا للعمل لا سببًا للاطمئنان المبكر.

وقال الأستاذ طارق بن عبدالرحمن الجوهر إن أبرز ما يواجه بعض طلبة المرحلة الثانوية هو الاعتقاد بأن المعدل الدراسي وحده كفيل بضمان القبول الجامعي، بينما الواقع يؤكد أن المنافسة أصبحت تعتمد على منظومة متكاملة تشمل التحصيلي والقدرات والمهارات. وأضاف أن مرحلة القبول ينبغي أن تُدار كمشروع شخصي يبدأ بالتخطيط المبكر، وتحسين النتائج، ومتابعة اشتراطات الجامعات أولًا بأول.

من جانبه، أوضح الأستاذ عبدالله بن عيسى الذرمان أن الأسرة تمثل شريكًا أساسيًا في نجاح الطالب، من خلال توفير الدعم النفسي والمعنوي، ومساعدته على اتخاذ قرارات مبنية على معلومات دقيقة بعيدًا عن الضغوط الاجتماعية أو المقارنات، مؤكدًا أن الاطلاع المستمر على أدلة القبول والبرامج الأكاديمية يرفع من فرص اختيار التخصص المناسب.

وأشار الأستاذ يوسف بن عبدالرحمن العلي العرجان إلى أن بعض الطلبة يملكون معدلات مرتفعة، إلا أنهم يفقدون فرصًا متميزة نتيجة ضعف التخطيط أو عدم تحسين درجات اختبارات القدرات والتحصيلي، أو بسبب ترتيب الرغبات بصورة غير مدروسة، مبينًا أن حسن إدارة الخيارات لا يقل أهمية عن التفوق الدراسي.

فيما أكد الأستاذ يوسف بن أحمد الرقيطي أن اختيار التخصص الجامعي يجب أن ينطلق من توافق ميول الطالبة وقدراتهم مع احتياجات سوق العمل المستقبلية، وليس بناءً على شهرة التخصص أو رغبات الآخرين، مشيرًا إلى أن التخصصات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وعلوم البيانات والطاقة المتجددة ستشهد طلبًا متزايدًا خلال السنوات المقبلة.

ويرى مختصون في الإرشاد الأكاديمي أن الثقة الزائدة قد تدفع بعض الطلبة إلى تأجيل الاستعداد لاختبارات القدرات والتحصيلي، أو الاكتفاء بدرجات سابقة دون محاولة تحسينها، أو إهمال دراسة اشتراطات الجامعات المختلفة وترتيب الرغبات بعناية، وهو ما قد يؤدي إلى ضياع فرصة الالتحاق بالتخصص المفضل، رغم امتلاك الطالب مؤهلات جيدة.

وفي المقابل، فإن الطالبة الذي يجمع بين الثقة والاجتهاد والتخطيط المبكر يكون أكثر قدرة على التعامل مع المنافسة، من خلال تحسين درجاته، والاطلاع على متطلبات الجامعات، واختيار أكثر من بديل أكاديمي يتناسب مع قدراته وطموحاته.

كما يقع على الأسرة دور مهم في هذه المرحلة، عبر تقديم الدعم النفسي، ومساعدة الطالبة في اتخاذ قرارات مبنية على معلومات دقيقة، بعيدًا عن المقارنات أو الافتراضات بأن القبول أصبح مضمونًا.

وفي ختام اللقاء، اتفق المشاركون على أن الثقة بالنفس تمثل عنصرًا إيجابيًا ومطلوبًا، لكنها لا تحقق النجاح بمفردها، بل يجب أن تقترن بالتخطيط المبكر، وتحسين نتائج اختبارات القبول، ودراسة اشتراطات الجامعات، واختيار البدائل المناسبة، بما يعزز فرص الطالبة في الالتحاق بالتخصص الذي ينسجم مع طموحه ويلبي احتياجات سوق العمل.

وتؤكد مؤشرات القبول الجامعي أن المنافسة لم تعد تعتمد على معدل الثانوية العامة وحده، بل أصبحت منظومة متكاملة تقيس التحصيل العلمي والقدرات والمهارات. لذلك، فإن الثقة بالنفس تبقى عاملًا إيجابيًا عندما تقترن بالاستعداد والعمل الجاد، بينما قد تتحول إلى عائق إذا دفعت الطالبة إلى التهاون أو الاطمئنان المبكر. ومع تزايد أعداد المتقدمين واحتدام المنافسة على التخصصات النوعية، يبقى التخطيط المبكر وتحسين الأداء في جميع معايير القبول هو الطريق الأقصر لتحقيق الطموح الجامعي.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *