محمد العجلان
تبرز أهمية البحر الأحمر في الذاكرة السعودية شاهدًا أزليًا ورفيقًا حميمًا لأهل الساحل الغربي في يومياتهم، حيث تتجلى أجمل صوره حين يهل هلال شهر رمضان، لتُنسج حكاية عشق روحانية تمتزج فيها ملوحة البحر بحلاوة الإيمان

وتبدأ هذه السردية الفاتنة حتى قبل دخول الشهر، حيث كانت العائلات الحجازية تقصد شواطئ البحر الأحمر للجلوس على رماله، واستعادة ذكريات الرمضانات على وقع أمواجه الهادئة.
وما إن تُعلن الرؤية، حتى يتبدل إيقاع الحياة الساحلية بالكامل، ففي قرى الصيادين الممتدة من تبوك شمالًا وحتى جازان جنوبًا، حيث ينطلق الصيادون مع خيوط الفجر الأولى على متن قواربهم الخشبية العتيقة التي عُرفت تاريخيًا باسم “السنبوك” و”الشوشة”، متسلحين بالصبر وخبرة فطرية في قراءة اتجاهات الرياح ومواسم الصيد البارزة كموسم “الكنّة” الشهير في جازان، وكان الصائمون من بحارة الأمس يطوون نهارهم الشاق بين شباكهم وأمواج البحر المتلاطمة، وعندما يحين وقت الغروب، كانت موائدهم البسيطة تُفرد على الألواح الخشبية المبللة بماء البحر، ليفطروا على حبات التمر ورشفات الماء قبل أن يعودوا أدراجهم محملين برزق البحر الأحمر وخيراته.
ومع تقدم الساعات ودخول الليل، تتوهج المدن الساحلية، وعلى رأسها جدة التاريخية التي كانت شوارعها وأزقتها تتنفس عطرًا وأريجًا خاصًا، حيث تنتشر “البسطات” الرمضانية تحت الرواشن العتيقة والمشربيات الخشبية، لتعرض أشهى المأكولات والمشروبات التراثية، حيث لخص المجتمع الحجازي إيقاع هذا الشهر الساحر في مقولة شعبية شهيرة تُقسّم أيامه قائلة: “العشرة الأولى للجزار، والعشرة الثانية للقماش، والعشرة الأخيرة للخياط”، في دلالة ذكية على التحول التدرجي من الاهتمام بالموائد إلى الاستعداد لفرحة العيد.
ولم تكن ليالي رمضان لتكتمل دون تلك النزهة المسائية الأصيلة، حيث تغادر الأسر منازلها قاصدة الواجهة البحرية ليتناولوا طعام الإفطار على صوت الأذان المتردد من مآذن المساجد المحاذية للشاطئ، في مشهد مهيب تختلط فيه نسائم البحر العليلة بالإنارة الممتدة، وتزدحم المقاهي بروادها الباحثين عن دفء شاي الجمر والقهوة السعودية، في مجالس تمتد أطراف أحاديثها حتى وقت السحور.

ولأن هذا النبض الساحلي أصيلٌ لا يغيب، لم يُترك هذا الإرث العريق ليكون مجرد صفحات تُطوى في كتاب الحنين، بل أضحى اليوم بوصلةً ترشد حاضرنا نحو تجربة سياحية مستدامة، تقف الهيئة السعودية للبحر الأحمر ضابط إيقاع على تفاصيلها، فهذه الهيئة، في جوهر عملها، تمثل الامتداد المؤسسي الحديث لتلك العلاقة الأزلية بين الإنسان وبحره؛ إذ تتولى تنظيم أنشطة السياحة الساحلية وصون هذا النطاق الجغرافي ببيئته البكر، لا لتصنع وجهة عالمية رائدة فحسب، بل لتحرس روح المكان، وبذلك، تضمن الهيئة لأشرعة الحاضر أن تبحر في مياه آمنة ومزدهرة، تُعيد إحياء تلك الروحانية الرمضانية، وتُبقي قصة المجتمع مع بحره حيةً ومُشرعةً نحو المستقبل.


