جليلة كلاعي ـ تونس
حين تتمازج هيبة التاريخ بجلال شهر رمضان، تنبثق تظاهرة “أقواس تحت الأنوار” كجسر ضوئي يربط التونسيين بجذورهم العميقة. من 21 فيفري إلى 15 مارس،
لا تكتفي المواقع الأثرية والمعالم التاريخية بفتح أبوابها، بل تفتح قلوبها لزوار يبحثون عن السكينة بين ثنايا الحجارة العتيقة وأعمدة الحضارات التي مرت من هنا.
هذه التظاهرة ليست مجرد دعوة لزيارة موقع أثري، بل هي دعوة لاستعادة الذاكرة الوطنية في لحظة روحانية فارقة. ففي الوقت الذي يسود فيه الهدوء ليالي رمضان، تتحول المعالم من “أطلال صامتة” إلى فضاءات نابضة بالحياة، تتراقص فيها الأضواء الفنية على تفاصيل المعمار القرطاجي والروماني والإسلامي، لتمنحنا فرصة لاكتشاف “تونس الأخرى” التي قد نغفل عنها في زحام النهار.
إن اختيار هذا التوقيت بالذات، وتوجيه الأنظار نحو مواقع مثل حيدرة، وسبيطلة، والجم، والمدينة العتيقة، يعكس رؤية عميقة تهدف إلى جعل التراث جزءاً من يوميات المواطن، وليس مجرد مادة في الكتب المدرسية. هي رحلة حواس تبدأ بإنارة فنية تبرز شموخ الأقواس، وتكتمل بعروض موسيقية روحية تعيد صياغة علاقتنا بالمكان، وتجعل من التاريخ تجربة معاشة، دافئة، وقريبة من الوجدان.

في “أقواس تحت الأنوار”، نحن لا نزور حجارة قديمة، بل نحتفي بهويتنا التي صمدت لآلاف السنين. هي رسالة فخر نرسلها للعالم، بأن تراثنا ليس مجرد ماضٍ نعتز به، بل هو ضياء ينير دروبنا في الحاضر، ومحرك للسياحة الثقافية التي تبني اقتصاداً قائماً على المعرفة والجمال.


