جليلة كلاعي تونس
لم تعد المهرجانات المسرحية في تونس مجرد مواعيد للمشاهدة العابرة، بل تحولت إلى منصات فكرية وسياحية تصنع الحدث وتعيد تشكيل المشهد الثقافي الإقليمي بكثير من الجرأة والتجديد في الطرح المعرفي.
هذا العام، تتجه أنظار عشاق الفن الرابع وصناع السياحة الثقافية نحو تونس، التي تستعد لاحتضان فعاليات الدورة الثانية عشرة لـ “أيام 77 المسرحية”، والتي تصنع التميز التاريخي بانفتاحها الدولي الأول في الفترة الممتدة من العاشر إلى العشرين من جوان. هذا التحول الاستراتيجي للمهرجان من الإطار المحلي إلى الفضاء الدولي لا يمثل مجرد توسيع لقائمة الضيوف، بل هو إعلان عن ولادة منارة ثقافية جديدة تسعى لربط ضفتي المتوسط وتأسيس حوار مسرحي عميق، محولة خشبات المسارح التونسية إلى نقطة جذب سياحي وثقافي رائد يستقطب الوفود العربية والأجنبية الشغوفة بأبو الفنون ومختلف أشكال التعبير الركحي المعاصر.
وعند قراءة الأبعاد الفنية والهيكلية لبرمجة هذه الدورة الاستثنائية، يتضح أن اللجنة المنظمة قد وضعت رهاناً تحليلياً دقيقاً يعتمد على الثراء الفكري والتنوع الجغرافي للعروض المشاركة، إذ يشهد المهرجان عرض سلسلة من الإنتاجات المسرحية الطليعية والتجريبية التي تجمع بين كبار المخرجين والطاقات الشبابية الصاعدة من مختلف قارات العالم.
هذا التنوع لا يقتصر على العروض الحية فحسب، بل يمتد ليشمل ندوات فكرية معمقة وورشات تدريبية متخصصة يديرها خبراء دوليون، مما يمنح المهرجان بعداً أكاديمياً رزيناً يحفز التفكير النقدي ويسلط الضوء على واقع المسرح المعاصر وتحدياته اللوجستية والفنية في عصر التحولات الرقمية والاجتماعية المتسارعة، وهو ما يجعل السفر لغرض الثقافة تجربة وجودية متكاملة الأركان.
وفي سياق الاعتراف بالجميل وترسيخ قيم الوفاء الإبداعي، يبرز ملف التكريمات كأحد أنبل وأعمق فقرات هذه الدورة الدولية، حيث اختار المهرجان الاحتفاء بأسماء قامات مسرحية فذة تركت بصمات لا تُمحى في سجل الفن الرابع محلياً ودولياً.
إن هذا التكريم يتجاوز البعد البروتوكولي الضيق ليتحول إلى لحظة تحليلية تستحضر الملاحم المسرحية الكبرى، وتقدم للأجيال الجديدة نماذج ملهمة في العطاء والالتزام الفني، وهو ما يسهم في خلق حراك إعلامي ونقدي واسع يسوق لتونس كبلد لا ينتج الفن فحسب، بل يقدس المبدعين ويصون ذاكرتهم الثقافية كجزء لا يتجزأ من هويته الحضارية الجاذبة للزوار من كل حدب وصوب.
تأسيساً على هذا المشهد المتكامل، فإن الدورة الثانية عشرة لـ “أيام 77 المسرحية” تمثل قفزة نوعية تؤكد قدرة المهرجانات التونسية على تدويل رسالتها والارتقاء بإنتاجاتها إلى مصاف العالمية.
إن دمج البرمجة الثقافية الثرية بالتكريمات الراقية يثبت أن المسرح يظل الشريان الأقوى لإنعاش السياحة الثقافية وتوطيد العلاقات بين الشعوب، لتكون الفترة من العاشر إلى العشرين من جوان بمثابة كرنفال إنساني وفني فريد يعزز مكانة الخضراء كحاضنة أزلية للإبداع، ويؤكد أن الثقافة هي الجسر الأجمل والأكثر ثباتاً للترويج لقيم التسامح والتواصل النبيل بين الأمم والشعوب.



