آخر الأخبار

نبض الشوارع التونسية يعيد صياغة الدهشة: الدورة التاسعة لمهرجان السيرك الدولي تفتح آفاقاً جديدة للمسرح المفتوح

شارك

عبد الوهاب البراري ـ تونس السياحة العربية

حينما تتحول الأرصفة الصامتة إلى مسارح حية تنبض بالحركة والألوان، وتصبح السماء سقفاً لعروض تتحدى الجاذبية، فإن الثقافة لم تعد مجرد ترف نخبوي، بل طاقة حيوية تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالفضاء العام. هذا هو الجوهر العميق الذي تبشر به الدورة التاسعة للمهرجان الدولي لفنون السيرك وفنون الشارع في تونس، والمزمع إقامتها من الحادي عشر إلى الثامن والعشرين من شهر جوان لعام ألفين وستة وعشرين.
تحت شعار يحمل أبعاداً استشرافية واضحة وهو “سيرك الغد يبدأ اليوم”، لا يقدم هذا الحدث مجرد عروض ترفيهية عابرة، بل يطرح رؤية فلسفية جديدة تهدف إلى كسر الجدران التقليدية للمؤسسات الثقافية، وجعل الفن متاحاً ومقروءاً في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن العربي، مما يجعله تجربة استثنائية تستحق قراءة تحليلية معمقة في أبعادها الفنية والجغرافية.

إن المتأمل في التركيبة الهيكلية لهذا المهرجان يدرك سريعاً أنه يتجاوز المفهوم الكلاسيكي للاستعراض نحو بناء جسور تواصل دولية عابرة للقارات، حيث يشهد الحدث مشاركة لافتة لأكثر من عشر دول تمثل مدارس فنية وتعبيرية متنوعة، تجمع بين الموروث المغاربي من تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، والعمق الإفريقي من غينيا، والخبرات الأوروبية العريقة من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، وصولاً إلى المدارس اللاتينية الشغوفة من الأرجنتين والشيلي.
هذا المزيج الثقافي المتنوع يخلق فضاءً تفاعلياً خصباً لتبادل الخبرات، ويلبي تطلعات جماهيرية واسعة تبحث عن التجديد، كما يعزز مكانة تونس كحاضنة دولية للفنون الحرة المعاصرة، حيث تلتقي هذه الوفود لتؤكد أن لغة الجسد والحركة هي القادرة على توحيد الشعوب وتجاوز الحواجز اللغوية.

ولعل الميزة الأبرز التي تمنح هذه الدورة بعداً استراتيجياً واجتماعياً فريداً هي تبنيها لسياسة اللامركزية الثقافية بشكل عملي وجريء، من خلال تمدد العروض وتوزيعها على اثنتي عشرة ولاية تونسية كاملة على مدار أكثر من أسبوعين.
ينطلق الماراطون الفني بكرنفال افتتاحي ضخم يملأ شارع الحبيب بورقيبة الرمز في قلب العاصمة بالبهجة، ليتنقل الدفء الإبداعي بعد ذلك بين ثنايا بنزرت ونابل، ويلامس جبال الكاف التاريخية وسهول سيدي بوزيد، مروراً بالقيروان العريقة وزغوان وصفاقس وسليانة، وصولاً إلى الفضاءات المفتوحة في أريانة وبن عروس وسوسة.
هذا التوزيع الجغرافي الذكي لا يكتفي بنقل العروض الفنية إلى المناطق الداخلية، بل يعيد إحياء الساحات العامة ويحولها إلى نقاط جذب سياحي وثقافي، مما يسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي وخلق ديناميكية مجتمعية تدمج الفئات الشعبية مباشرة في الحراك الإبداعي.

إن القيمة المضافة الحقيقية لهذه الدورة تكمن في تركيزها على استدامة الفعل الثقافي وتطوير مهارات الشباب المحلي، حيث لا تقتصر الفعاليات على العروض الجاهزة، بل تشمل تنظيم ورشات تدريبية متخصصة وإقامات فنية مفتوحة ومخيمات تفاعلية تجمع الفنانين الدوليين بالمواهب الشابة المحلية.
هذا البعد التكويني يمنح المهرجان صفة المؤسسة التعليمية المتنقلة، ويزرع بذور “سيرك الغد” في عقول الجيل الجديد، مما يضمن استمرارية هذا الفن وتطوير أدواته محلياً ليكون قادراً على صياغة هوية فنية تونسية وعربية مستقلة في مجال فنون الشارع، ويحول الحدث من مجرد احتفالية موسمية مؤقتة إلى مشروع ثقافي مستدام يغير وجه السياحة الثقافية في المنطقة العربية ويرفع منسوب الوعي الجمالي العام.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *