آخر الأخبار

رداء الأندلس المتجدد: كيف أعاد رضا مامي كتابة الجغرافيا الثقافية بين تونس وإسبانيا

شارك

جليلة كلاعي تونس

في زمن تتباعد فيه الجغرافيات وتتكثف العزلة خلف الحدود، تنهض الكلمات وحدها كجسور عابرة للزمن والبحار، لتعيد وصل ما انقطع من خيوط التاريخ المشترك.
إن تتويج المنتدى الثقافي العربي الإسباني “ثيار” للجامعي والباحث التونسي الدكتور رضا مامي بلقب شخصية العام الأكاديمية لسنة 2025، ومنحه الميدالية الذهبية الرفيعة في قلب العاصمة الإسبانية مدريد، ليس مجرد تكريم بروتوكولي عابر، بل هو استدعاء رمزي عميق لروح الأندلس في تجلياتها المعاصرة، وإعلان صريح عن انتصار الدبلوماسية الثقافية القائمة على حوار الند للند بين ضفتي المتوسط.

هذا التكريم المرجعي الذي احتضنه فضاء “البيت العربي” بمدريد، يحمل دلالات تتجاوز الاحتفاء بالفرد لتلامس عمق التجربة الأكاديمية التونسية والعربية في فهم الآخر الأيبيري.
فالمنتدى حين يختار شعار “عام الأندلس” متزامناً مع منح هذا التقدير الرفيع، فإنه يعيد فتح الدفاتر القديمة بوعي جديد، حيث لم تعد الأندلس مجرد فردوس مفقود يُبكى عليه في قصائد الحنين، بل فضاء معرفي حي، وقابل للتحليل والبناء الإنساني المستدام.
إن إسناد الميدالية الذهبية وفق معايير صارمة تشترط دعم التعددية الثقافية، وإثراء حركة النشر، والالتزام بحقوق الإنسان، يثبت أن الجهد الذي بذله مامي على مدار عقود لم يكن عملاً انغلاقياً داخل أسوار الجامعة، وإنما كان مشتبكاً مع قضايا العصر ومفككاً للصورة النمطية السائدة بين الشرق والغرب.

يتجلى العمق التحليلي لهذا التتويج في القيمة المعرفية المضافة التي واكبته؛ إذ لم تكن المناسبة احتفالية خطابية، بل تكرست بتقديم أطروحات فكرية رصينة اختزلها كتاب “رؤى معاصرة للأندلس”.
هذا المؤلف الجماعي الذي شارك فيه ثمانية وعشرون خبيراً دولياً، وبإشراف مشترك بين منتدى “ثيار” ومجموعة النشر الإسبانية “سيال بيجماليون”، يمثل نموذجاً حياً لكيفية تحويل الذاكرة التاريخية إلى مادة تفكيك ونقد وتأسيس.
هنا يلتقي الفكر التونسي بالعمق الإسباني لإنتاج قراءة معاصرة للتراث المشترك، قراءة تتجاوز العاطفة التاريخية لتصوغ رؤية نقدية تخدم قيم التعايش السلمي والتفاعل المثمر بين الثقافات، وتجعل من الأدب وسيلة لمقاومة خطابات الإقصاء والصدام.

إن هذا الفوز المستحق، والذي يأتي امتداداً لنيل الجمعية التونسية لدارسي اللغة الإسبانية وآدابها التي يترأسها الدكتور رضا مامي لجائزة “إسكريدواندي” المرموقة في معرض مدريد الدولي للكتاب، يضعنا أمام ظاهرة أكاديمية استثنائية نجحت في تدويل المنجز الثقافي التونسي.
فالعضوية الدائمة لمامي في الأكاديمية الدولية الإسبانية للعلوم والتكنولوجيا والإنسانيات ببلنسية، وأكاديمية التاريخ والجغرافيا المكسيكية، تعكس قدرة المثقف العربي على اختراق الدوائر الأكاديمية الغربية الكبرى بفضل الرصانة المنهجية والعمق المعرفي.


في المحصلة، يُثبت هذا الحدث أن الأندلس لم تنتهِ برحيل قاطنيها، بل هي فكرة مستمرة تتجدد مع كل بحث جاد، وترجمة أمينة، وجائزة ذهبية تُعيد التأكيد على أن تونس كانت وستبقى منارة فكرية تلتقي عندها حضارات العالم وثقافاته.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *