آخر الأخبار

فضاءات الطين والذاكرة: حين تحاور العمارة المحلية أسرار النص في ملتقى السرديات بمدنين

شارك

جليلة كلاعي تونس

تنفتح مدنين، تلك الواحة الثقافية الضاربة في عمق الجنوب التونسي، على مشهد إبداعي يستنطق الحجر ويفك شفرات الطين الباني للوجدان. لم تعد جدران “القصور” القديمة وغرفها المقوسة مجرد شواهد هندسية على عبقرية الإنسان في ترويض قسوة الجغرافيا، بل تحولت إلى نصوص حية تنبض بالحكايات والقصص.
في هذا الفضاء الحاضن، يأتي ملتقى السرديات بمدنين في دورته الجديدة ليرفع الستار عن مقاربة نقدية غير تقليدية تلاحق “فنون العمارة في نماذج سردية من مدنين”، واضعاً المنجز الأدبي المحلي في مواجهة مباشرة مع فضاءاته الهندسية.
إنها محاولة واعية لتفكيك الجدران لا لتهديمها، بل للوصول إلى الغرف السرية للحكاية التونسية، حيث يتشابك البنيان المعماري مع البنيان الروائي والقصصي لإنتاج هوية بصرية وجمالية متفردة.
تتجاوز هذه الدورة، التي تشرف عليها جمعية الرابطة القلمية بمدنين، فكرة القراءة الأدبية السطحية لتغوص في عمق “سيميائية المكان”. فالنص السردي في مدنين لا يتخذ من المعمار مجرد خلفية محايدة تتحرك فيها الشخصيات، بل يرفعه إلى مصاف البطل الفاعل والمحرك للحدث.
العمارة هنا، بخصوصيتها المتفردة من قصور صحراوية وسقائف وأقواس، تمثل مستودعاً للذاكرة الجمعية وملاذاً للهوية من التلاشي.
إن المحاضرات والقراءات النقدية المشحونة برؤية علمية متكاملة تسعى إلى كشف كيف تحولت “الغرفة” الطينية من ملجأ مادي ضد تقلبات الطبيعة إلى ملجأ نفسي وروحي داخل النص الأدبي، وكيف يترجم الكاتب المحلي هندسة الفضاء إلى هندسة لغوية موازية تتداخل فيها الأبعاد الرمزية بالتفاصيل الواقعية الحية.
في عمق هذا الطرح التحليلي، يبرز بعد وفائي وازن يربط حاضر الملتقى بجذور تأسيسه، حيث تنعطف الدورة نحو قراءة نقدية معمقة في منجز أدباء التأسيس للرابطة القلمية.
هذا الربط الذكي بين الاحتفاء بالذات المبدعة وبنيانها النصي يمثل اعترافاً بأن العمارة الحقيقية تبدأ من بناء الإنسان وثقافته. هؤلاء الرواد الذين شيدوا صرح المشهد الثقافي بالجهة، تركوا نصوصاً تشبه في تماسكها وشموخها القصور التاريخية لمدنين.
ومن هنا، يصبح تكريمهم والاشتغال على مدوناتهم السردية بمثابة ترميم للذاكرة الأدبية، وإعادة إحياء للرموز الثقافية التي وهبت المكان قيمته الفلسفية والجمالية وجعلت منه مادة عابرة للزمن.
إن هذا اللقاء الفكري يثبت أن الرواية والقصة في الجنوب التونسي هما الحارس الأمين للتراث المادي واللامادي على حد سواء. حين يكتب المبدع عن تفاصيل الفضاء المعماري، فهو لا يصف مكاناً بل يمنحه الخلود ويحميه من الاندثار والنسيان.


ينتهي الملتقى ليفتح آفاقاً جديدة أمام النقد العربي المعاصر، معلناً أن العمارة والسرد وجهان لعملة واحدة هي الهوية الإنسانية، وأن قراءة الحجر لا تقل أهمية عن قراءة البشر، فكلاهما يروي حكاية الأرض والإنسان في أبهى تجلياتها الفنية.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *