آخر الأخبار

المسرح في سليانة.. عندما تُعيد الركائز صياغة الفضاء العام

شارك

جليلة كلاعي تونس

تظل المدن في جوهرها كائنات حية، لا تتنفس الإسمنت والخرسانة بقدر ما تتغذى على الأفكار والذاكرة البصرية، ومن هنا ينبثق السؤال الجوهري: كيف يمكن لخشبة المسرح أن تتحول من مجرد إطار للعرض إلى أداة للهندسة الاجتماعية والمعمارية؟
في قلب الشمال الغربي التونسي، وتحديداً في ربوع سليانة، لم يعد الفن مجرد ترف نخبوي أو وسيلة لتبديد الوقت، بل استحال استراتيجية واعية لإعادة بناء الهوية البصرية والنفسية للمدينة؛ وهي الفلسفة التي يترجمها مهرجان المسرح والمجتمع في دورته الخامسة، متخذاً من شعار “الفن يغير وجه المدينة” بياناً ثقافياً وجمالياً لافتاً.
هذا الموعد، الذي بات تقليداً سنوياً راسخاً، يتجاوز المفهوم الكلاسيكي للمهرجانات الصيفية العابرة ليتحول إلى ورشة عمل مفتوحة على الفضاء العام، حيث تتشابك الركحة بالشارع، وتذوب الفواصل المصطنعة بين المبدع والمتلقي في بوتقة واحدة تنشد التغيير والتنوير.

إن القراءة التحليلية لبرمجة هذه الدورة تكشف عن وعي عميق بضرورة تفتيت المركزية الثقافية وضخ دماء جديدة في شرايين الحياة اليومية للجهة، حيث لم تعد العروض حبيسة الجدران المغلقة، بل انطلقت لتستوطن الساحات وتخاطب الوجدان الشعبي مباشرة.
من خلال توليفة ذكية تجمع بين تراجيديا المسرح وعمق الطرح في أعمال مثل “الهاربات” لوفاء الطبوبي أو “سقوط حر” لنعمان حمدة، وبين حركية العروض الكوريغرافية المعاصرة لجسد يبحث عن حريته فوق الإسفلت، يمارس المهرجان عملية تفكيك لـ”الجمود المديني” السائد.
هذا المزج بين الأشكال التعبيرية، من مسرح العرائس الموجه للطفل إلى ليلة الشعراء وعروض السيرك، يمثل محاولة جادة لإعادة صياغة علاقة المواطن بمحيطه الجغرافي، وتحويل الشوارع الصامتة إلى مساحات للحوار والجدل الإيجابي، وهي العملية التي يصفها علماء الاجتماع الثقافي بـ”أنسنة المدن”.

ولا يمكن عزل هذا النجاح التنظيمي والفكري عن البعد التكويني المستدام الذي ينتهجه مركز الفنون الدرامية والركحية بسليانة بالشراكة مع الهياكل الثقافية المحلية، إذ إن الرهان الحقيقي لا يكمن في جلب عروض جاهزة واستهلاكها لحظياً، بل في غرس بذور الإبداع محلياً عبر المختبرات القارة لفن العرائس والكتابات الجديدة والصوت والإلقاء.


هذه المختبرات تمثل العصب الحيوي لتغيير وجه المدينة على المدى الطويل، فهي لا تصنع جمهوراً متذوقاً فحسب، بل تؤسس لجيل جديد من صناع الثقافة الذين يرون في مدينتهم لوحة قابلة للتطوير المستمر ومسرحاً كبيراً يستوعب أحلامهم وهواجسهم. إن سليانة اليوم، من خلال هذا المهرجان، تقدم نموذجاً ملهماً لكيفية تحويل الفعل الثقافي إلى رافعة حقيقية للتنمية والمواطنة، مبرهنة على أن التغيير الحقيقي يبدأ دائماً من وعي الإنسان، وأن الفن هو الأداة الأرقى والأبقى لإعادة رسم ملامح المدن وتلوين تفاصيلها الرمادية بـألوان الحياة والأمل.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *