آخر الأخبار

بين نبض القوافي وسحر الفرشاة: تفاصيل ترويها المدينة العتيقة في عرسها الثقافي الخامس

شارك

جليلة كلاعي تونس

تخيل أن تسير في أزقة تفوح بعبق التاريخ، حيث تنطق الحجارة العتيقة بأصوات الشعراء، وتتلون الجدران البيضاء والشبابيك الزرقاء بضربات ريشة فنان ألهمته جغرافيا المكان.
في قلب تونس العتيقة، وبين روعة الفضاء الثقافي البلدي “سانت كروا”، لم تكن تظاهرة “المدينة العتيقة بين الألوان والأبيات” في دورتها الخامسة مجرد حدث ثقافي عابر، بل تجسيد حي لـ “فلسفة المكان” ومحاولة واعية لإعادة قراءة التراث العربي بروح معاصرة تسافر بالزائر في رحلة بصرية وحسية عابرة للزمن.

إن اختيار المنظمين إطلاق اسم الشاعرة التونسية الفذة فضيلة الشابي على هذه الدورة يمثل في عمقه لمسة وفاء واعية بضرورة ربط الحاضر المبدع بجذور الريادة الأدبية، حيث تحولت فضاءات المعرض إلى محراب فكري يربط صرخة الحرف بعمق اللوحة التشكيلية.
اللقاء هنا لم يكن مجرد تجاور للفنون، بل كان حواراً بنيوياً وتفاعلاً عميقاً أثبتت من خلاله الجمعية التونسية للتنمية الثقافية، بالشراكة مع منتدى الفينيق للمبدعين، أن الموروث المعماري للمدن التاريخية ليس متحفاً ميتاً، بل هو كائن حي يتنفس، ويتجدد عبر منحه دماءً إبداعية جديدة تجمع بين قراءات مجدي بن عيسى وصخب ألوان نرجس الخراط وليلى القاسمي.

البُعد التحليلي الأبرز في هذه الدورة تجلى في المداخلات الفكرية التي لم تكتفِ بالجانب الاحتفالي، بل غاصت في تفكيك الهوية البصرية والجمالية للمدينة. فمن خلال تدارس علاقة الفن التشكيلي بالكتابة الشعرية عبر تجربة إيتيل عدنان، والنبش في رمزية الزخرف الزهري لعمارة مدينة تونس، تكشفت للجمهور تلك الروابط الخفية بين التصميم المعماري العتيق وصناعة الهوية الكونية.
هذا العمق الأكاديمي أخرج التظاهرة من إطارها الإقليمي الضيق ليجعل منها منصة فكرية عربية تستقطب مبدعين من ليبيا والجزائر وسوريا، مما يكرس تونس كعاصمة دائمة للتلاقح الثقافي والسياحة الإبداعية التي تبحث عن المعنى وراء المشهد.

ولم تقف التظاهرة عند حدود النخبوية، بل مدّت جسوراً إنسانية نبيلة من خلال إدماج لغة الإشارة وإشراك ذوي الإعاقات السمعية في هذا العرس البصري والموسيقي، مؤكدة أن الفن لغة عالمية تتجاوز الحواس التقليدية لتخاطب الروح مباشرة.


واكتملت مشهدية الوفاء بالاحتفاء بمرور عشرين عاماً على تأسيس إذاعة تونس الثقافية، الشريك الاستراتيجي في حراسة الوعي وتوثيق الذاكرة الإبداعية الوطنية. إن “المدينة العتيقة بين الألوان والأبيات” تثبت في سنتها الخامسة أن الاستثمار في سياحة الثقافة والفكر هو الرهان الأبقى للحفاظ على روح المدن العربية وحمايتها من طوفان النسيان والنمطية المعاصرة.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *