حين تلتقي زرقة المتوسط العميقة بصلابة حجارة “السقيفة الكحلاء”، لا يعود الوقت مجرد دقائق تمر، بل يتحول إلى مسرح حي يستدعي أمجاداً ضاربة في القدم. في هذا الفضاء المشبع بعبق التاريخ، وبأصوات الأجداد التي لم تغادر المكان، اختارت المهدية – عاصمة الفاطميين الأولى – أن تحتضن النسخة الثانية من تظاهرة “محفل تونس”. لم يكن هذا الحدث مجرد استعراض عابر للأزياء، بل كان تجلياً بصرياً وحضارياً، التقت فيه ربوع تونس من شمالها إلى جنوبها على أرض واحدة، لتعلن للعالم أن الموروث ليس بضاعة تُعرض، بل هو كائن حي يتنفس، يتجدد، ويقود قاطرة المستقبل السياحي والثقافي للبلاد مع اقتراب تتويجها المرتقب كعاصمة للسياحة العربية لعام 2027.
إن اختيار المهدية لتكون الركح الذي تتماوج فوقه ألوان اللباس التقليدي التونسي يحمل دلالات سيميائية بالغة العمق؛ فالمدينة التي بناها عبيد الله المهدي لتكون حصناً وخلافة، تمتلك في جيناتها المعمارية والاجتماعية قدرة استثنائية على صون الهوية. ومن خلال المسار الذي سلكه المحفل، متنقلاً من الحصون الفاطمية المهيبة، عبر الأنهج الملتوية للمدينة العتيقة، وصولاً إلى مقام الولي الصالح “سيدي جابر” عند مشارف مقبرة “برج الرأس” البحرية، امتزجت قدسية المكان التاريخي بطقوس “الخرجة” الصوفية الشعبية. هذا التمازج بين الديني، والتاريخي، والجمالي، يمنح المنتج السياحي التونسي بعداً “أنثروبولوجياً” رصيناً، يتجاوز نمط السياحة الشاطئية التقليدية نحو “سياحة المعنى”، حيث يصبح السائح شريكاً في تجربة إنسانية وثقافية حية، تختزل قروناً من التعايش والإبداع البشري في تطريز الحرير وحياكة الصوف.
ولم تقف التظاهرة عند حدود المشهدية البصرية، بل قدمت تفكيكاً تحليلياً لثراء الهوية التونسية؛ حيث تحول العرض المفسر لكل جهة إلى وثيقة سوسيولوجية تكشف كيف صاغت كل بيئة تونسية لباسها وفقاً لمناخها، وجغرافيتها، وتاريخها الاجتماعي. من “الفوطة والبلوزة” الساحلية، إلى “الملية” الجنوب الحاضنة لقصص البدو، إلى أردية الحرير المطرزة بخيوط الذهب والفضة المهدوية، تجلت تونس كلوحة “فسيفساء” متناغمة لا مكان فيها للنمطية.
هذا العمق في الطرح، الذي رافقته إيقاعات فرقة الفنان فاضل السقا، يعكس وعياً متقدماً لدى الجهات المنظمة، كجمعية “المهدية البية” وجمعية “موروثنا”، بأن إحياء التراث هو أجدى الوسائل لتحصين الذاكرة الوطنية من الذوبان، وتحويل هذا الموروث إلى رافعة اقتصادية وتنموية حقيقية تدعم الحرفيين والمبتكرين الشبان، وتؤهل الوجهة التونسية لتبوّء الصدارة في أجندة السياحة الثقافية العالمية خلال السنوات المقبلة.