آخر الأخبار

نبض تازركة البيئي: عندما تطوع الفنون تشكيل الوعي الإنساني

شارك

جليلة كلاعي تونس

تتحول دار الثقافة محمود المسعدي بتازركة في ولاية نابل إلى مختبر كوني تنصهر فيه الهوية الفنية بالقلق البيئي المعاصر، معلنة انطلاق الدورة الثانية لتظاهرة “إيكولوجيا الفن” تحت شعار فلسفي بليغ: “حيث يكون الوعي تزهر الحياة فنا”.


هذا الحدث لا يمكن تصنيفه مجرد احتفالية ثقافية عابرة أو لقاء نخبوي جاف، بل هو صرخة جمالية واعية تأتي في توقيت حرج يعيشه كوكب الأرض، لتؤكد أن الفن ليس ترفاً بصرياً، بل هو الأداة الأقوى لإعادة صياغة علاقة الإنسان بمحيطه الحيوي، وتحويل الخوف من التغيرات المناخية إلى طاقة إبداعية ملهمة تنبض بالحياة.

تكتسب هذه التظاهرة عمقاً تحليلياً استثنائياً من خلال قدرتها على كسر الحواجز التقليدية بين المادة المهملة والجمال المطلق؛ فالورشات الفنية المقامة لا تتعامل مع النفايات كبقايا استهلاكية، بل كمادة أولية لإعادة التدوير الفكري قبل المادي، حيث يتدرب المشاركون على تحويل المتروكات إلى مجسمات ناطقة تروي حكاية الأرض.


هذا التحول البنيوي من الاستهلاك إلى الابتكار يعكس فلسفة عميقة ترى في الفن وسيلة لإنقاذ الذاكرة البيئية للمكان، وجعل المتلقي شريكاً حقيقياً في المسؤولية وليس مجرد مشاهد صامت، مما يرسخ سياحة ثقافية خضراء تجذب الباحثين عن تجارب إنسانية تحترم الطبيعة وتثري الوعي الجماعي.

يمتد الأثر الفكري للحدث ليلامس الندوات الفكرية والعروض المسرحية والموسيقية التي تؤثث الفضاء، حيث يتم تفكيك المفاهيم البيئية الجافة وإعادة صياغتها في قوالب إبداعية تلامس وجدان الناشئة والعموم على حد سواء.
إن الجمع بين المعارض التشكيلية المستوحاة من الطبيعة المحلية وبين النقاشات الفلسفية يخلق حالة من “المواطنة البيئية” التي تتجاوز حدود الجغرافيا التونسية لتقدم نموذجاً عربياً يحتذى به في كيفية استغلال الفضاءات الثقافية المحلية لتوليد حلول كونية، لتظل تازركة بذلك شعلة تضيء مسارات الوعي، وتثبت أن الفن هو التربة الخصبة الوحيدة التي إذا سُقيت بالوعي، أزهرت الحياة في أبهى تجلياتها.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *