حين تُفتح الستارة في مدينة الثقافة الشاذلي القليبي بتونس، لا يرتد الصدى مجرد كلمات مرسلة، بل يتشكل وعي جماعي يبحث عن ذاته في مرآة الخشبة الحية. من التاسع والعشرين من جوان وإلى غاية الخامس من جويلية لعام ألفين وستة وعشرين، يتحول قطب المسرح والفنون الركحية بمسرح أوبرا تونس إلى مختبر إنساني بامتياز، مفسحاً المجال للدورة الثامنة من تظاهرة “تعبيرات مسرحية” لتقول كلمتها في الراهن الثقافي العربي. هذه التظاهرة لا تكتفي بتقديم منجزات فنية، بل تطرح تساؤلاً جوهرياً حول قدرة التكوين الأكاديمي والهاوي على صياغة لغة تعبيرية تتجاوز السائد، وتلامس عمق التحولات السيكولوجية والاجتماعية التي تعيشها فئات عمرية متباينة، من الطفولة المبكرة وصولاً إلى نضج الكهولة.
إن القيمة المعرفية لهذه الدورة تنبع من طبيعتها التراكمية، فهي ليست مجرد احتفالية عابرة، بل هي الثمرة المعملية لورشات امتدت على مدار سنة كاملة من البحث والتدريب الشاقين. يتحول الممثلون هنا، تحت إشراف أساتذة ومخرجين واكبوا صيرورة التطور الإبداعي، من مجرد ناقلين للنصوص إلى مفكرين بأجسادهم وأصواتهم فوق الخشبة. يتجلى هذا العمق التحليلي في العروض التي تحتضنها “قاعة المبدعين الشبان”، حيث يصبح المسرح وسيلة للتطهير النفسي وأداة للمقاومة الفكرية ضد ركود الأفكار. تقدم التظاهرة قراءة نقدية لواقع الجيل الجديد، محاولةً تفكيك شفرات واقعه عبر السينوغرافيا المعاصرة، ومزج المدارس الكلاسيكية بالرؤى الحداثية، مما يمنح الفعل المسرحي التونسي خصوصية ريادية في المشهد العربي.
تكتسب هذه التظاهرة أبعاداً ديمقراطية وثقافية استثنائية من خلال قرار مسرح أوبرا تونس إتاحة العروض مجاناً للجمهور العريض، وهو ما يجسد مفهوم “المسرح للجميع” في أبهى تجلياته الفلسفية. هذا الانفتاح يسقط الجدران النخبوية ويجعل من مدينة الثقافة ساحة تفاعل حقيقي بين المبدع والمتلقي، حيث تسهم هذه المواكبة الجماهيرية في خلق حوارية نقدية فورية عقب كل عرض.
إن فرض تنظيم صارم للدخول عبر التذاكر المجانية وشروط الالتزام بالوقت يعكس أيضاً رغبة واعية في ترسيخ ثقافة بصرية واعية تحترم قدسية الركح، وتجعل من الفعل الثقافي سلوكاً مدنياً بامتياز يتجاوز حدود الترفيه السطحي ليدخل في صلب التنمية الإنسانية الشاملة.