على أرضٍ ضاربة في عمق التاريخ، حيث التقت الحضارات وتمازجت الثقافات، لم تعد قرطاج مجرد أثرٍ لقصة قديمة، بل تحولت إلى منصة حية تنبض بالحداثة، لتعيد صياغة مفهوم الأناقة العربية والإفريقية من منظور عالمي. إن “أيام قرطاج للموضة” ليست مجرد ترف من القماش والقصّات، بل هي تظاهرة فكرية وجمالية تترجم الحراك الثقافي الذي تعيشه تونس اليوم، محولةً منصات العرض إلى مساحات للحوار بين الأصالة والمعاصرة. في هذا الفضاء الاستثنائي، يمتزج عبق الياسمين التونسي بخطوط التصميم العالمية، ليعلن أن الضفة الجنوبية للمتوسط تمتلك رؤية متفردة وناضجة لجماليات القرن الحادي والعشرين.
يتجاوز هذا الحدث السنوي، في جوهره، الأطر الكلاسيكية لعروض الأزياء العابرة، ليتحول إلى مختبر تحليلي لـ “الهوية البصرية” التونسية. فالمصممون المشاركون لا يكتفون باستعراض المهارات الفنية في حياكة الأقمشة الراقية، بل يغوصون عميقاً في تفكيك الموروث التونسي وإعادة تركيبه، فنرى الحرير، والتطريز اليدوي التقليدي، والخطوط المستوحاة من الجبة والشاشية، وهي تولد من جديد في قالب معاصر يناسب إيقاع الحياة السريعة. إنها عملية “مَسْرحة” للأناقة، حيث تصبح القطعة المعروضة بمثابة نص بصري يروي قصة التحرر الفكري والاقتصادي، ويعكس رغبة جيل جديد من المبدعين في فرض تواجدهم على الخارطة الدولية كمنافسين حقيقيين، وليس كمجرد مقلدين لبيوت الأزياء الأوروبية.
ولعل القيمة المضافة التي تمنح أيام قرطاج للموضة ثقلاً استثنائياً، هي قدرتها الذكية على نسج خيوط الموضة مع نسيج الفن الشامل وسياحة النخبة. فلم تعد العروض تنغلق في قاعات مغلقة، بل تتماهى مع الفضاءات الأثرية والفنادق الفاخرة الممتدة على ضفاف قرطاج وقمرت، مما يخلق تجربة سياحية وثقافية غامرة للحاضرين. يرافق هذا المزج الجغرافي حضور وازن لنجوم الفن، وصناع السينما، والمؤثرين، لتتداخل جوائز الإبداع الدرامي مع لمسات خبراء التجميل والمصممين الدوليين.
هذا التلاحم يحول الحدث من مجرد “أسبوع للأزياء” إلى منصة تسويق سياحي واقتصادي من الطراز الأول، تؤكد من خلالها تونس مقدرتها على جذب سياحة النخبة التي تبحث عن الفن، والعمق الثقافي، والتميز البصري، وليس فقط الشواطئ والاستجمام، واضعةً العاصمة التونسية في قلب الحداثة العربية النابضة بالحياة.