آخر الأخبار

أنغام التاريخ فوق رُبى المنستير: الدورة 53 كسرٌ للمألوف الفني واستدعاء لروح الهوية

شارك

جليلة كلاعي تونس

حين تُشرع المدينة التاريخية أبواب “الرباط” العتيق لاستقبال صخب النغم وموج البحر، فإنها لا تقدم مجرد عروض ترفيهية عابرة، بل تعيد صياغة المشهد الثقافي وتطرح تساؤلات عميقة حول شكل الهوية الفنية في مغربنا العربي.
تأتي الدورة الثالثة والخمسون لمهرجان المنستير الدولي، الممتدة من العشرين من جويلية وحتى الثامن عشر من أوت، لتتحول إلى مختبر ثقافي حي يستنطق ملامح التحول في ذائقة الجمهور التونسي والعربي، موازنةً بين ثقل التراث الموسيقي وهياج الموسيقى الحديثة، ومثبتةً أن السياحة الثقافية لم تعد مجرد رافد هامشي، بل هي المحرك الأساسي لصناعة صورة تونس المعاصرة.

المتأمل في تركيبة شبكة العروض يلحظ مباشرة تلك الرغبة الواعية في كسر النمطية وافتتاح المهرجان برهان فني شديد الجرأة، حيث يمتزج صخب الآلات في عرض “100 كمان” مع الروحانيات العميقة لـ “حضرة العوامرية”.
هذا التلاقح الفوري في ليلة الافتتاح يعكس فلسفة واضحة تسعى إلى ترويض الآلة الكلاسيكية الغربية وإخضاعها لروح المقامات الشرقية والصوفية المحلية، مما يخلق بعداً تحليلياً يفسر رغبة المهرجان في مخاطبة العقل قبل الوجدان.
ولم يكتفِ صناع الدورة بهذا الحد، بل غاصوا عميقاً في تفاصيل الموروث الشعبي عبر عروض مثل “عشاق المحفل” وسهرة المالوف لجمعية جوق سوسة، لإعادة الاعتبار للموسيقى الأصلية وتأكيد ريادتها في مجابهة موجات التسطيح الثقافي.

في المقابل، لم يغفل المهرجان نبض الشارع الحديث وهوس الشباب بأنماط تعبيرية معاصرة، إذ تظهر عروض “كاسو” و”Young RZ” كاعتراف ضمني بالقوة التواصلية لموسيقى الراب، والتي باتت تحتل منبراً أساسياً لطرح القضايا المجتمعية المعقدة.
هذا المزج المدروس بين أصالة الفن الشعبي مع وليد الصالحي، وعمق الموشحات مع الكبير لطفي بوشناق، وشعبية العروض الاستعراضية الكبرى كعرض “الزيارة” لسامي اللجمي، يحول فضاء الرباط إلى ساحة حوار فكري عابر للأجيال، تذوب فيه الفوارق بين الكلاسيكية والحداثة، وتلتقي فيه الأصوات العربية بنجومها كالفنان اللبناني رامي عياش والتونسي مرتضى الفتيتي لتوحيد الرؤية الفنية الإقليمية.

بين الافتتاح الأوركسترالي والاختتام الشعبي الذي يقوده الفنان رؤوف ماهر، يبرز المسرح التونسي بقوته النقدية الساخرة كأحد الركائز التحليلية لهذه الدورة.
عروض مثل “Psy” لجعفر القاسمي و”بامبينو” لبسام الحمراوي ومسرحية “ولد الطلياني” ليست مجرد مساحات للضحك، بل هي تشريح سوسيولوجي لواقع الفرد وضغوطه النفسية والاجتماعية، تُقدم بقوالب كوميدية لتعكس مرآة المجتمع فوق ركح المهرجان.


وفي النهاية، تبرهن هذه الدورة من مهرجان المنستير الدولي أن الفعل الثقافي ليس ترفاً، بل هو نبض دائم يبقي التاريخ حياً، ويصنع من السياحة تجربة إنسانية ملهمة تجمع بين بريق الفن العتيق وتطلعات المستقبل المعرفي.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *