آخر الأخبار

بنزرت الثقافية.. سحر الجغرافيا وعمق التاريخ

شارك

جليلة كلاعي تونس

عندما تلتقي زرقة المتوسط الشاسعة بهدوء بحيرة بنزرت، تولد مدينة ليست ككل المدن، مدينة تسكنها الروح التونسية العريقة وتتنفس من خلالها ثقافة الانفتاح والتجدد.
في هذا الفضاء الاستثنائي، حيث يتعانق عبق التاريخ القرطاجي والروماني مع نبض الحداثة، يرتفع الستار سنويًّا عن مهرجان بنزرت الدولي ليحول مسرح الهواء الطلق إلى منارة ثقافية عربية ومتوسطية تجذب عشاق الفن من كل حدب وصوب.
وفي دورته الثالثة والأربعين، لم يكن المهرجان مجرد منصة للعروض العابرة، بل تحول إلى ساحة للمساءلة الجمالية والفكرية، متجاوزًا حدود الترفيه السطحي ليعيد صياغة وعي الجمهور الجماعي تجاه قضايا الراهن الإنساني.
وتجلى هذا العمق الفلسفي بأبهى صوره في العرض الفرجوي “الرحالة” لسيرك باباروني التونسي المعاصر، الذي لم يكن مجرد استعراض للمهارات الجسدية الخارقة، بل كان بمثابة بيان فني وبيئي صارخ ينطلق من خصوصية الهوية التونسية ليخاطب قلقًا كونيًّا مشتركًا يحذر من اختلال توازن الطبيعة وتآكل روح الأرض.

إن اختيار “سيرك باباروني” لمسرح بنزرت الدولي لتقديم العرض الافتتاحي الأول لعمله الجديد “الرحالة”، يعكس وعيًا عميقًا بطبيعة المكان وجدلية العلاقة بين الفن والجمهور الثائر واعيًا بطبعه.
لقد نجح المخرج والمصمم منتصر بن قاجي في تحويل الركح إلى فضاء سيميائي متكامل، حيث تلاشت الحدود التقليدية بين الترفيه والالتزام الفكري.
ومن خلال توليفة إبداعية جمعت بين الكوريغرافيا المعاصرة، الألعاب الأكروباتية الخطرة، واللعب التعبيري بالنار، تمكن العرض من تفكيك المأزق البيئي المعاصر وإعادة تركيبه في قالب بصري مذهل.
لم نكن أمام مجرد بهلوانيين يتحدون الجاذبية، بل كنا نرقب حركات أجساد مثقلة بأسئلة الوجود، تترجم من خلال القفز والتأرجح في الهواء صراع الإنسان المعاصر بين رغبته الجارفة في السيطرة على الطبيعة وتدميرها، وحاجته الفطرية للانسجام معها كشرط أساسي لاستمرار الحياة للأجيال القادمة.

تكمن العبقرية التحليلية في عرض “الرحالة” في قدرته على صياغة أسطورة بيئية حديثة عبر شخوص رمزية شديدة التكثيف، حيث تحولت الغابة السحرية على الركح إلى مرآة مصغرة لكوكب الأرض. فالتحالف الرمزي الذي نشأ بين شخصية “المنشط الرحالة” و”السيد شجرة”، في مواجهة “وحوش الظل” التي تجسد جشع الوعي البشري وإهماله، يمثل قراءة درامية عميقة لمفهوم الحراسة البيئية والحكمة المفقودة.
هذا الصراع الدرامي تدعم بسينوغرافيا غامرة وأزياء مستوحاة من لحاء الأشجار وأوراقها، مما جعل الفنانين يبدون وكأنهم نبت طبيعي خرج من رحم الأرض للدفاع عن كينونتها.
إن هذا المزج بين سحر التخييل وواقعية التحذير المناخي يثبت أن السيرك التونسي المعاصر قد قطع دابر النمطية القديمة، ليدشن مرحلة متقدمة من المسرح الدائري البصري الذي يوظف جماليات الجسد لخدمة قضايا وجودية، محولًا المتفرج من مستهلك سلبي للصورة إلى شريك حقيقي في استشعار الخطر البيئي الداهم.

وفي المحصلة، يبرهن نجاح هذا العرض في إطار مهرجان بنزرت الدولي على أن تونس لا تزال رائدة في تقديم منتج ثقافي قادر على صناعة الفارق وتوجيه البوصلة السياحية نحو آفاق ثقافية ملهمة.
إن مجلة السياحة العربية، وهي ترصد هذا الألق الثقافي، ترى في مثل هذه التظاهرات رافعة حقيقية للسياحة الثقافية المستدامة التي تتجاوز مفهوم الشواطئ والفنادق إلى سياحة الأفكار والوعي والجمال.


لقد أثبت “الرحالة” أن الفن حين يحمل قضية إنسانية كبرى كإنقاذ الطبيعة، فإنه يكتسب طاقة خلود تتجاوز حدود الزمن والمكان، لتظل بنزرت، بمسرحها وبحرها ومهرجانها العريق، شاهدة على أن تونس ستبقى دائمًا أرضًا للجمال، وموطنًا للإبداع الملتزم الذي يحتفي بالحياة ويحرس مستقبل الأرض.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *