آخر الأخبار

سيدي بوسعيد على عرش اليونسكو: كيف تحوّلت قرية اللونين إلى عاصمة الإلهام المتوسطي

شارك

جليلة كلاعي تونس

لم تكن الهندسة المعمارية يوماً مجرد تراكم للأحجار، بل هي مرآة الروح حين تجد مستقرّها بين الأرض والسماء، وهذا تماماً ما تشعر به وأنت تقف على ربوة “سيدي بوسعيد” المعلقة في زرقة المتوسط، حيث يمتزج صخب التاريخ بهدوء الفن في سيمفونية بصرية لا تشبه سواها.


وفي خطوة تثبت أن الجمال الحقيقي لا يمكن أن يظل حبيس الجغرافيا، أعلنت لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو رسمياً، بالإجماع، إدراج هذه القرية التونسية الملهمة على قائمة التراث العالمي، تزامناً مع احتفالات تونس بعيد جمهوريتها التاسع والستين.
هذا الاعتراف الدولي ليس مجرد شهادة فخرية تُضاف إلى السجلات، بل هو إقرار كوني بأن سيدي بوسعيد تمثل حالة حضارية استثنائية، ونموذجاً حياً للمركز الثقافي والروحي الذي نجح عبر القرون في صياغة هوية فنية ألهمت كبار المبدعين من مختلف أصقاع الأرض.

إن العمق التحليلي لهذا القرار يكمن في كونه يتجاوز التثمين السياحي السطحي إلى اعتراف عميق بالقيمة الكونية الاستثنائية التي يحملها هذا الفضاء، فالقرية التي اعتمدت تمازج الأبيض والأسود ثم الأبيض والأزرق بمرسوم تاريخي يعود لبدايات القرن الماضي، ليست مجرد بطاقة بريدية جميلة، بل هي مدرسة معمارية واجتماعية تختزل فكرة “التعايش الجمالي”.
يعكس هذا الإدراج عبقرية المكان الذي صهر الهويات الأندلسية، والعربية الإسلامية، والمتوسطية في قالب محلي متفرد، جعل من نوافذ “المشربيات” الزرقاء والأبواب الموشاة بالمسامير النحاسية لغة بصرية عالمية تفهمها كل الثقافات.
وتجلى هذا التميز في إجماع أعضاء اللجنة بمدينة بوسان الكورية، الذين رأوا في القرية نموذجاً عمرانياً لم يفرط في أصالته رغم أمواج الحداثة، بل ظل محافظاً على تخطيطه التاريخي الذي يعود لسنة 1915، ليعطي درساً للعالم في كيفية صون الذاكرة الوطنية وتحويلها إلى ثروة حية عابرة للأجيال.

بهذا التتويج التاريخي، ترفع تونس رصيدها على قائمة التراث العالمي المادي إلى عشرة مواقع كاملة، لتؤكد ريادتها الثقافية والحضارية في المنطقتين العربية والإفريقية كواحدة من أغنى الدول بالرأسمال الرمزي غير المتجدد.
ولا يمكن قراءة هذا النجاح بمعزل عن سياق عام وديناميكية دبلوماسية وثقافية مكثفة قادتها الدولة التونسية منذ مطلع عام 2024، إذ يأتي هذا الاعتراف كالإنجاز الدولي الثاني في نفس العام بعد إدراج الجيوبارك العالمي “الظهار” ضمن شبكة اليونسكو، مما يعكس إستراتيجية وطنية واعية تهدف إلى إعادة تموضع تونس كوجهة سياحية وثقافية تعتمد على عمقها الإنساني وتنوعها الجيولوجي والحضاري، وليس فقط على سياحة الشواطئ العابرة.
إن التنسيق العالي بين المعهد الوطني للتراث، وزارة الشؤون الثقافية، والدبلوماسية التونسية، وبدعم من صندوق التراث العالمي الإفريقي، يثبت أن صناعة الحضور الدولي تتطلب رؤية مؤسساتية متكاملة قادرة على تحويل الخصوصيات المحلية إلى رسائل إنسانية عالمية.

وفي المحصلة، يفتح هذا الإدراج آفاقاً جديدة واعدة للسياحة الثقافية المستدامة في المنطقة العربية ككل، حيث يفرض على الفاعلين في القطاع الانتقال من منطق الاستهلاك السياحي إلى منطق “الحماية والتثمين”.
إن تصنيف سيدي بوسعيد تراثاً عالمياً يضع على عاتق السلطات والمجتمع المدني مسؤولية مضاعفة للحفاظ على الميزان البيئي والعمراني للقرية، ومنع أي تشويه قد يطال نمطها التقليدي في ظل التدفقات السياحية المتزايدة.


إنها دعوة مفتوحة لعشاق السفر، والمثقفين، والمعماريين لزيارة هذه الربوة لا للتمتع بجمالها البصري فحسب، بل لقراءة كتاب مفتوح في التاريخ الإنساني، حيث يلتقي الفن بالروحانية، وحيث يثبت التراث التونسي مرة أخرى أنه جسر لا ينتهي من الإبداع والإشعاع الحضاري بين ضفتي المتوسط.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *