سحر الشاشة على رمال الفلاز: “سينما البحر” في المنستير تعيد صياغة الثقافة الشاطئية

شارك

جليلة كلاعي تونس

حين يمتزج صخب الأمواج بأصوات الممثلين، وتتحول رمال الشاطئ الذهبية إلى قاعة عرض مفتوحة تحت سماء الصيف اللامعة، تكتسب السياحة الثقافية بعداً جديداً يتجاوز المألوف.
هذا تماماً ما تحققه الدورة التأسيسية لتظاهرة “سينما على الشاطئ” (Ciné Vague Ruspina) بشاطئ الفلاز في مدينة المنستير التونسية، والتي تمتد من العاشر إلى الثاني عشر من أوت الحالي، لتعلن عن ولادة نمط سياحي وفني يربط بين ترفيه الجسد وتغذية الفكر في آن واحد.

إن تحويل الفضاء الشاطئي من مجرد ملاذ للاستجمام الهروبي من حرارة الصيف إلى منصة للمساءلة الفكرية والوعي المجتمعي يمثل قفزة نوعية في الرؤية الثقافية للمنطقة، حيث لم تعد السينما حبيسة القاعات المغلقة والنخبوية، بل نزلت إلى فضاء عام مجاني يستقطب العائلات والشباب، لتقدم نماذج وصوراً بصرية تحاكي واقعهم اليومي وتناقش قضاياهم الحارقة.

تتجلى عمق هذه التظاهرة في قدرتها على تفكيك ثنائية الفن والبيئة، من خلال برمجة نهارية مكثفة تعتمد على ورشات تفاعلية للأطفال تُعنى برسكلة النفايات وحماية الشريط الساحلي، بالتوازي مع زيارات ميدانية لمركز التدريب البيئي، مما يخلق وعياً جماعياً مبكراً بأهمية الحفاظ على الثروات الطبيعية، قبل أن يتحول الليل إلى مساحة لنقاشات سينمائية مفتوحة تبحث في قضايا الهجرة غير النظامية وتحديات التلوث البحرية عبر أعمال تونسية متميزة مثل فيلمي “Startup” و”خاتم عليسة”.

إن هذا التمازج المدروس بين السينما، والوعي البيئي، والموسيقى الحية التي يقدمها المعهد العمومي للموسيقى بالمنستير، يمنح هذه التظاهرة بعداً استراتيجياً يجعل من شاطئ الفلاز وجهة سياحية ثقافية بامتياز، قادرة على جذب الباحثين عن تجارب سفر بديلة تجمع بين سحر الطبيعة المتوسطية وعمق النقاش الإنساني، لتؤكد تونس مجدداً أنها أرض تتنفس الفن، وتصنع من شواطئها منابر للفكر والتغيير.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *