تخيل أن تقف على ربوة شاهقة في الشمال الغربي التونسي، حيث تعانق الغيوم قمم جبال “مكثر” و”الروحية”، لتجد نفسك فجأة وسط لوحة حية تطير بها القلوب؛ أغصان مثقلة بياقوت “حب الملوك” القاني، وحقول تمتد ببريق التفاح الزمردي، وظلال تينٍ يفوح بعطر الأرض والتاريخ. هذه ليست مجرد جنة بصرية عابرة، بل هي قصة صمود اقتصادي وإنساني تكتبها ولاية سليانة، تلك الأرض التي تحولت إلى عاصمة غير متوجة للأشجار المثمرة في تونس. غير أن هذا المشهد الساحر الذي يبهر الزوار بات اليوم ساحة لمعركة صامتة وعميقة بين إرادة الإنتاج المحلي وقسوة التحولات المناخية التي تعيد رسم خارطة الفلاحة العالمية، مما يجعل من تجربة سليانة نموذجاً ملهماً يستحق التفكيك والدراسة كوجهة تجمع بين سحر الطبيعة وعمق التحدي. إن القيمة الاستثنائية لمنتجات سليانة لا تنبع فقط من جودتها المذاقية التي تتربع على عرش الأسواق التونسية والعربية، بل من قدرتها على خلق حركية تنموية واعدة تشكل شريان الحياة لآلاف العائلات. في معتمدية مكثر، على سبيل المثال، يجد الكرز أو “حب الملوك” بيئته المثالية بفضل الارتفاع عن سطح البحر والطقس البارد شتاءً، مما يمنحه نكهة وحجماً ينافسان الأصناف العالمية، بينما تتحول الروحية وجدليان إلى مخازن كبرى للتفاح عالي الجودة. هذا التميز النوعي يمنح الولاية ميزة تفاضلية هائلة في قطاع السياحة الفلاحية والبيئية، حيث لم تعد هذه الربوع مجرد حقول للإنتاج، بل تحولت إلى مقاصد سياحية يقصدها عشاق الطبيعة في مواسم الإزهار والجني، مما يساهم في تنويع مصادر الدخل القومي وخلق فرص عمل نوعية تربط الإنسان بأرضه وتحد من النزوح نحو المدن الكبرى. ومع ذلك، فإن هذا الازدهار الأخضر بات يواجه جداراً صلباً من التحديات المناخية الوجودية التي لم تعد مجرد توقعات للمستقبل، بل واقعاً معيشاً يهدد هذه الثروة الوطنية. فالشح المائي الحاد، وتراجع منسوب الموائد المائية الجوفية والسطحية جراء سنوات الجفاف المتعاقبة، أصبحا يفرضان حصاراً خانقاً على غابات الأشجار المثمرة التي تتطلب رياً منتظماً. أضف إلى ذلك تلك الظواهر الجوية المتطرفة والصادمة، مثل العواصف الرعدية الفجائية المصحوبة بتساقط البرد القاتل “التبروري” في غير مواسمه، والتي يمكن أن تدمر تعب موسم كامل في دقائق معدودة، بجانب الارتفاع القياسي في درجات الحرارة صيفاً الذي يسرع من جفاف التربة وتفشي الآفات الزراعية المستعصية.
أمام هذا المشهد المعقد، لم يقف الفلاح التونسي في سليانة مكتوف الأيدي، بل انطلقت ثورة مضادة تعتمد على الذكاء البيئي والتكنولوجي للتكيف مع الواقع الجديد ومقاومة ضربات المناخ. يتجلى ذلك في التحول المتسارع نحو أنظمة الري الذكي والقطرة قطرة لترشيد كل قطرة ماء، وتغطية المساحات الشاسعة بالشباك الواقية لحماية الثمار من لفح الشمس وغدر البرد، فضلاً عن إحياء الفلاحة البيئية وتثمين الأصناف المحلية من التين والتفاح التي تمتلك جينات قادرة على تحمل العطش والحرارة. إنها ملحمة حقيقية تبرهن من خلالها سليانة أن مستقبل الفلاحة والسياحة المستدامة في الوطن العربي لا يصنعه وفرة الموارد فحسب، بل تصنعه القدرة على الابتكار وتطويع الأزمات لتصبح فرصاً لتعزيز السيادة الغذائية وبناء اقتصاد أخضر مرن وقادر على البقاء.