جليلة كلاعي تونس
حين أُعلنت نتائج الدورة الثلاثين لجوائز “الكومار الذهبي” لعام 2026، لم يكن الأمر مجرد توزيع تقليدي لأرفع مكافأة أدبية في تونس، بل كان إعلاناً صريحاً عن ولادة جغرافيا جمالية جديدة تفصل بين زمنين في الرواية المغاربية، إذ نجحت روايتا “سيف الصوّان” لسفيان رجب باللغة العربية، و”Le guérisseur” لسمير مخلوف باللغة الفرنسية، في اقتناص الجائزة الكبرى، لتقْدحا معاً شرارة التميز الأدبي الذي يتجاوز حدود السرد الوصفي العابر نحو الحفر الأنثروبولوجي والفسيفساء الفلسفية المعقدة، معيدتين صياغة الأسئلة الوجودية الكبرى حول الهوية، والشفاء، والذاكرة الجريحة.

في رواية “سيف الصوّان”، يشيّد سفيان رجب عمارة سردية شاهقة تمزج بين الواقعية السحرية والعمق الفلسفي، مستخدماً لغة مشحونة بالاستعارات البصرية التي تحول الكلمة إلى أداة حادة أشبه بنصل الصوّان، فالرواية لا تكتفي برصد التحولات الاجتماعية بأسلوب خطي، بل تعمد إلى تفتيت الزمن وإعادة ترصيعه عبر ثنائية الصلابة والهشاشة، حيث يبدو الإنسان التونسي المعاصر محاصراً بين إرث تاريخي صلب كالحجر، ومستقبل هلامي يتشكل تحت وطأة التحولات الكبرى، وهو ما جعل العمل مختبراً حقيقياً لتشريح الوعي الجمعي وإعادة الاعتبار للذاكرة المنسية بجرأة أدبية نادرة.

على الضفة الأخرى من التعبير، ولكن في العمق الإنساني ذاته، تأتي رواية “Le guérisseur” لسمير مخلوف لتمنح الأدب التونسي المكتوب بالفرنسية نفساً حداثياً يفكك مفهوم “الشفاء” في عالم مثخن بالندوب النفسية والسياسية، إذ يتجاوز مخلوف السرد التقليدي ليرتقي بالرواية إلى مصاف التساؤل الميتافيزيقي حول قدرة الكلمة والفن على مداواة انكسارات الذات البشرية، مستعيناً بلغة فرنسية طيعة، مطعمة بخصوصية ثقافية محلية تمنح النص هويته المتوسطية الفريدة، وتجعل من بطل العمل رمزاً للبحث الدائم عن الخلاص وسط ركام الخيبات المعاصرة.

إن تلاقي الروايتين عند منصة التتويج الذهبية يعكس نضجاً استثنائياً في مدونة السرد التونسي، حيث يلتقي اللسانان العربي والفرنسي في نقطة دلالية واحدة تعكس ثراء المخيال الثقافي لبلد لطالما كان ملتقى للحضارات.

فالأعمال الفائزة لم تنل هذا الاعتراف لجرأتها الموضوعاتية فحسب، بل لقدرتها الفائقة على ابتكار أشكال تعبيرية جديدة تتحدى السائد، وتثبت أن الرواية التونسية اليوم لم تعد مجرد صدى للواقع، بل هي مرآة كاشفة لأعماقه، وصوت يتردد صداه بقوة في الفضاء الأدبي العربي والعالمي كدليل على حيوية الفكر وحتمية الإبداع.



