عبد الوهاب البراري ـ تونس السياحة العربية
في زمن تتقاطع فيه الثقافات لتصنع أجمل صور التضامن الإنساني، يتحول الفن مجدداً إلى لغة عالمية لا تعرف الحدود، جاعلاً من الموسيقى دواءً للروح وسنداً لمن لا سند له في غيابات الحياة.
هذا التجلي الثقافي الاستثنائي سيكون عنواناً بارزاً للأمسية الخيرية الراقية التي سيحتضنها فضاء “سيني مدار” الشهير بقرطاج يوم الثلاثاء الثاني من جوان، حيث يضرب عشاق الفن النبيل موعداً مع حفل موسيقي تضامني فريد يحييه “الجوق اليوناني بتونس”.
هذا الحدث الفني لا يمثل مجرد عرض عابر في أجندة المواعيد الفنية، بل هو مبادرة تضامنية عميقة ومحرك قاصد لـ “السياحة الثقافية التضامنية”، حيث تخصص كامل عائدات هذه الليلة لفائدة الأطفال فاقدي السند، لتتحول النغمات المتوسطية الشجية إلى رسائل أمل تداوي جراح الطفولة وتمنحهم نافذة نحو غد أفضل يسوده الدفء والأمان.
وعند إخضاع هذا الحدث الفني والخيري للتحليل السوسيو-ثقافي، يتضح أن اختيار “الجوق اليوناني بتونس” لإحياء هذه الليلة يحمل دلالات رمزية وتاريخية بالغة العمق، فالروابط الإنسانية والحضارية التي تجمع بين تونس واليونان تمتد لآلاف السنين عبر حوض البحر الأبيض المتوسط، ويأتي هذا الحفل ليعيد إحياء هذا الإرث المشترك من خلال ألحان تجمع بين دفء الشرق وتناغم الغرب.
إن تبرع هؤلاء الفنانين بوقتهم وإبداعهم من أجل قضية إنسانية نبيلة يعكس القوة الناعمة للفن في بناء مجتمعات أكثر تلاحماً، ويظهر كيف يمكن للمؤسسات الثقافية المستقلة والجاليات المقيمة أن تلعب دوراً ريادياً في دعم التنمية الاجتماعية الشاملة، متجاوزة دورها الكلاسيكي المتمثل في الترفيه إلى آفاق الالتزام الإنساني والمجتمعي الفعال والمؤثر.
إن الفضاء الذي سينبض بهذه الأنغام، وهو سينما ومسرح “سيني مدار” بقرطاج، يضفي بدوره هالة استثنائية من السحر الأثري والثقافي على هذه الأمسية التضامنية، فهذه المنارة الثقافية الراسخة في ضاحية تونس الشمالية لطالما كانت قبلة للمثقفين والفنانين والسياح الباحثين عن العروض البديلة والنخبوية. تحول هذا الفضاء العريق إلى منصة تضامنية متوسطية يجذب شريحة واسعة من السلك الدبلوماسي، والجاليات الأجنبية المقيمة، والتونسيين الشغوفين بالفن الرفيع، مما يعزز مكانة تونس كحاضنة دولية لقيم التسامح والتآزر، ويوفر للزوار تجربة سياحية وثقافية متكاملة الأركان، يمتزج فيها عبق التاريخ القرطاجي بنبل العطاء الإنساني الحديث الذي يمس القلوب مباشرة.
تأسيساً على هذا المشهد الإبداعي المتكامل، فإن حفل الجوق اليوناني بـ “سيني مدار” يمثل النموذج الأسمى لما يجب أن تكون عليه الفعاليات الثقافية المعاصرة في عالمنا العربي والعالمي.
إن دمج الإبداع الموسيقي بالعمل الخيري لفائدة الأطفال فاقدي السند يثبت أن الفن الحقيقي هو الذي يحمل قضية تلامس الأرواح، وأن السياحة الثقافية في تونس قادرة دائماً على تجديد دمائها وجذب الأنظار من خلال مبادرات تنبض بالحب والحياة، لتظل شواطئ قرطاج وقاعاتها شاهدة على أن الموسيقى ستبقى دائماً الجسر الأطهر للتواصل البشري، والترويج لقيم التضامن النبيلة بين الأمم والشعوب.



