آخر الأخبار

العيص: في مرآة التاريخ وشواهد الآثار

شارك

د. سعيد بن دبيس العتيبي- أكاديمي سعودي

العيص واد عظيم من أشهر أودية الحجاز الواقعة في الجهة الشمالية الغربية من المدينة المنورة، وفيه محافظة العيص التابعة لأمارة منطقة المدينة المنورة، ومقرها الإداري مدينة العيص، وهي تقع عل بعد 160 كيلاً شمال غرب المدينة المنورة.
وعرف العيص بهذا الاسم منذ القدم في المصادر الجغرافية والتاريخية، وفي تعريف مدلوله اللغوي قال ياقوت الحموي في المعجم: ” العيص: وهو منبت خيار الشجر، قال عمارة: العيص من السدر والعوسج وما أشبهه إذا تدانى والتف”، وقال ايضاً ” العيص وهو ما التفّ من عاسي الشجر وكثر وهو مثل السّلم والطلح والسيّال والسّدر والسّمر والعرفط والعضاة”


وحول تحديد موقعه في المصادر القديمة يذكر ابن عبد الحق في مراصد الإطلاع أنه عرض من أعراض المدينة على ساحل البحر وأنه حصن بين ينبع والمروة.
وينبع هي المعروفة اليوم بينبع النخل الواقعة غرب المدينة المنورة بمسافة 160 كيلاً، أما المروة فتذكر المصادر التاريخية أنها قرية بوادي القرى (العلا) على طريق الحج الشامي، شمال المدينة المنورة على ثمانية برد منها.
والوقع أن العيص ليس على ساحل البحر، إنما بين البحر والمدينة المنورة، والمسافة بينه وبين البحر قرابة (83 كيلا)، وقد ذكر البلادي في معجم المعالم الجغرافية للسيرة النبوية “أنه واد بين المدينة والبحر يصب في إضم من اليسار من أطراف جبل الأجرد الغربية ومن الجبال المتصلة به ومن حرار تقع بين أضم وينبع وفيه عيون وقرى كثيرة “.


في السيرة النبوية:
تقع العيص على طريق القوافل المعروف باسم (المعرقة) الذي يربط بين ينبع والمروة على محجة الشام، وهو من طرق التجارة والحج القديمة، ذكره البكري في كتابه معجم ما استعجم، وقال أن قوافل قريش كانت تسلكه بتجارتها الى الشام وفيه سلكت عيرهم حين كانت غزوة بدر. كما تقع العيص على مقربة من طريق القوافل الساحلي الذي عرف في العصور الإسلامية باسم طريق الحج المصري، ولهذا ارتبط اسم العيص بالسيرة النبوية في خبر السرايا التي بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو سيف البحر (ساحله) لاعتراض عير قريش، وذكر ابن سعد في الطبقات ان أول تلك السرايا هي سرية حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، التي عقد له لوائها رسول الله صلى الله عليه وسام في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من الهجرة، وبعثه في ثلاثين رجلاً من المهاجرين، ليعترض عير قريش المقبلة من الشام تريد مكة، وفيها أبو جهل بن هشام، فبلغوا ساحل البحر من ناحية العيص، فالتقوا حتى اصطفوا للقتال فمشى مجدي بن عمرو الجهني وكان حليفاً للفريقين جميعاً إلى هؤلاء مرة وهؤلاء مرة حتى حجز بينهم ولم يقتتلوا فمضت قافلة قريش الى مكة، وانصرف حمزة بن عبد المطلب في أصحابه الى المدينة.
وفي جمادى الأولى سنة ست من الهجرة ” بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عيراً لقريش قد أقبلت من الشام فبعث زيد بن حارثة في سبعين ومائة راكب يتعرض لها، فأخذوها وما فيها وأخذوا يومئذ فضة كثيرة لصفوان بن أمية وأسروا ناساً ممن كانوا بالعير، منهم العاص بن الربيع، وقدموا بهم إلى المدينة فاستجار أبو العاص بزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجارته ونادت في الناس حين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر: إني قد أجرت أبا العاص فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (وماعلمت بشيء من هذا وقد أجرنا من أجرت) ورد عليه ما أُخذ منه”.
وذكر ابن هشام في السيرة: أنه بعد صلح الحديبية في السنة السادسة من الهجرة الذي كان من شروطه: انه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم. قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة أبو بصير عتبة بن أسيد بن جارية، وكان ممن حبسته قريش بمكة من المسلمين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجا فانطلق إلى قومك، قال يا رسول الله أتردني إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ قال يا أبا بصير انطلق فإن الله تعالى سيجعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً”، ثم خرج أبو بصير حتى نزل العيص بطريق قريش التي كانوا يأخذون عليها إلى الشام وبلغ المسلمين الذين كانوا أُحتبسوا بمكة قول رسول الله صلى الله عليه لأبي بصير … فخرجوا إلى أبي بصير بالعيص فاجتمع اليه منهم قريب من سبعين رجلاً، وأخذوا يعترضون عير قريش الخارجة إلى الشام ويأخذون أموالهم، مما ارغم قريش على أن تطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلغاء شرط صلح الحديبية وقبول من يفد إليه مسلمًا من قريش، فأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بصير ومن معه فقدموا عليه في المدينة.

معالم أثرية:
دلت اعمال المسح الأثري لمنطقة العيص الذي نفذته الإدارة العامة للآثار والمتاحف عام 1400ه، ونشرت نتائجه في العدد الخامس من مجلة اطلال(1401هـ)، وكتاب آثار منطقة المدينة المنورة (1423هـ)، أن العيص تشتمل على معالم ومواقع أثرية إضافة الى المعثورات الأثرية الهامة، ومن أبرز المعالم الأثرية: قلعة الفرع التي تقع جنوبي غربي مدينة العيص بحوالي اثنى عشر كيلاً، وهي قلعة ضخمة مستطيلة الشكل مبنية من أحجار البازلت المنحوت مع ملاط من الطين، والمتبقي من جدرانها يصل ارتفاعه ما بين ثمانية الى عشرة أمتار، وبداخلها عدد من الغرف وساحة داخلية وجدرانها مدعمة بأكتاف نصف دائرية، ومداخلها مقوسة على شكل عقود نصف دائرية، كما يوجد في أجزاء من القلعة بقايا اسطح مقببه مبنية من الأجر. وحول تاريخ القلعة يشير تقرير المسح الأثري أن اساساتها تعود لقرون ما قبل الميلاد، وأعيد تشييدها واستخدامها خلال فترة العصر الإسلامي، ويوجد حول القلعة اساسات مباني أخرى تعود للفترة الإسلامية المبكرة، ومن حيث المعثورات الأثرية فقد عُثر على أنواع من الفخار تعود لفترات تاريخية مختلفة، إشتملت على أنواع من الفخار الروماني، يدل على الصلات الحضارية عبر الطريق التجاري القديم، وقطع من الفخار الإسلامي يعود للفترة الأموية(41-132هـ)، كما يوجد بالعيص أثار منشآت لعيون وقنوات تشاهد بقايا آثارها المتمثلة في السواقي والقناطر التي تنقل المياه مما يدل على وفرة المياه في المنطقة، مما جعل من العيص مكاناً زراعيا وعاملاً على الإستقرار، ومن أبز المنشآت المائية بركة شعيب النورة التي تقع شمال مدينة العيص بمسافة خمسة وثلاثين كيلاً، وهي بركة مربعة الشكل طول ضلعها 35م، محفورة في باطن الأرض وجدرانها مبنية بالحجارة، ولها قناة مبنية على سطح الأرض، تجذب اليها المياه من الشعاب المحيطة بها، وتشبه هذه البركة من حيث طرازها العمراني برك المياه على طريق الحج العراقي التي تعود لفترة للعصر العباسي الأول (132-232هـ) ويعتقد أنها تعود لذات الفترة، أو لفترة العصر الأموي (41-132هـ). وأنها أنشئت للتوفير المياه للسقيا والري الزراعي، كما يوجد في منطقة العيص عدد من الكتابات الإسلامية المدونة على الوجهات الصخرية، وهي من نوع الكتابات التذكارية التي ينقشها الحجاج والمسافرون على مسارات الطرق، وتتضمن أسماء أشخاص وأدعية بمضامين متنوعة.

أيضا في عام 2022م نفذت هيئة التراث مشروعا لمسح مواقع التعدين القديمة بشمال غرب المدينة المنورة، وركز موسم المسح على محافظة العيص، ونشرت نتائجه في مجلة أطلال العدد 34 عام(2025م) وقد تمكنت أعمال المسح من اكتشاف مواقع أثرية لعدد اثنا عشر منجما جميعها لمناجم خام الذهب، واشار تقرير فريق المسح الى أن جبال محافظة العيص تشتهر بعروق المرو(الكوارتز) وهو حجر أبيض اللون يعد نوعاً من انواع الصخور النارية، وقد كان المرو أحد دلائل القدماء على وجود خام الذهب. وتشتمل المواقع الأثرية للمناجم التي تم اكتشافها على آثار نشاطات التعدين التي تتكون من مجموعات من الحفر ومباني الخدمات واساسات مساكن بعضها على هيئة غرف محدودة وبعضها عبارة عن قرى صغيرة تتكون من مجموعات من المباني المختلفة، كما عثر في مواقع التعدين على مجموعات من أدوات الطحن والأرحية الخاصة بالتعدين، كذلك سجلت اعمال المسح اُلأثري ابار مياه وقنوات مياه تدل على انشطة زراعية في المنطقة كما وثقت أعمال المسح مواقع رسوم صخرية على سفوح الجبال تمثل رسوم حيوانات منها الأسود والغزلان والجمال وحولها عدد من النصوص بالخط الثمودي يتركز معظمها في وادي انخل، وعثر ايضا على كتابات اسلامية تعود للقرون الثلاثة الأولى من الهجرة، ومن المؤكد أن هذه الآثار المتنوعة تدل على قدم الإستيطان في المنطقة وتعكس جوانبا من الحياة الثقافية والإقتصادية لمجتمعات المنطقة منذ أقدم العصور.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *