آخر الأخبار

أطياف النزوح وثبات الجغرافيا: حين تُرمّم الكاميرا النسائية الذاكرة العربية العربية

شارك

جليلة كلاعي تونس

لا تبدأ حكاية الانتماء في المنطقة العربية من خرائط الجغرافيا الصارمة، بل من التفاصيل الصغيرة المنسية على الرفوف، ومن رائحة البيوت التي غادرها أصحابها على عجل، ومن ملامح أمهات وجدّات يطوين المسافات بصبر يضاهي صمت الحجارة.
في فضاء العرض البصري المعاصر، لم يعد التصوير الفوتوغرافي مجرد أداة لتسجيل الواقع أو التقاط لحظات عابرة، بل تحول في أيدي المبدعات والمصورات العربيات إلى أداة للمقاومة الثقافية، ووسيطاً حيوياً لترميم شروخ الذاكرة الجماعية التي أنهكتها التحولات السياسية والاجتماعية المتسارعة، ومن هنا يأتي المعرض الفوتوغرافي الجماعي الأخير ليوثق هذا الحراك البصري، جامعاً تجارب فنانات نسجن من الضوء والظلال وثائق حية تتصدى للنسيان، وتُعيد صياغة مفهوم الوطن والهوية من منظور أنثوي يتسم بالعمق والتحليل المفاهيمي.

يتجاوز هذا الحدث الفني كونه مجرد تجمع لصور فوتوغرافية، ليصبح أشبه بمختبر بصري يفكك مفهوم “المكان” ويعيد تركيبه؛ فالزائر لزوايا المعرض يلحظ فوراً أن الفنانة العربية لا تتعامل مع الكاميرا كعين محايدة، بل كأداة تشريحية تنبش في الأرشيفات العائلية المهملة، وتعيد إحياء الصور القديمة والرسائل المنسية، لتطرح تساؤلات حارقة حول ماهية الجذور في زمن الشتات والاغتراب.
هذا التحليل البصري العميق يظهر جلياً في كيفية تعامل المشاركات مع التحولات الحضرية للمدن العربية، حيث تندمج اللقطات المعمارية الحديثة بالظلال التاريخية للمدن القديمة، مما يخلق حواراً بصرياً صامتاً بين ما كان وما آل إليه الوضع، ويعكس قلقاً وجودياً مشتركاً حول خسارة الملامح البصرية للمدن التي شكلت يوماً وجدان الهوية العربية المشتركة.
وفي عمق هذه التجربة، يتجلى “الجسد” في الصور كأرض أولى للذاكرة ومسرح رئيسي لترجمة مشاعر الانتماء والنزوح؛ فلم تعد الأجساد في عدسات المصورات العربيات مجرد مواضيع جمالية، بل تحولت إلى شواهد حية تحمل ندوب الاقتلاع وأمل الاستقرار، حيث تمتزج الخطوط الجسدية بتفاصيل الأقمشة التقليدية، أو تطريزات الثياب، أو حتى غبار الأمكنة المتروكة.
هذا البعد المفاهيمي يمنح المعرض عمقاً سيكولوجياً يتسلل إلى وجدان المتلقي، مجبراً إياه على إعادة التفكير في طقوسه اليومية البسيطة—من إعداد القهوة الصباحية إلى تفاصيل الجلسات العائلية—باعتبارها خطوط الدفاع الأخيرة التي تحمي الهوية الثقافية من التلاشي والذوبان في عصر العولمة السائلة.


إن القيمة الحقيقية لهذا المعرض تكمن في قدرته على تحويل الذاتي والشخصي إلى جمعي كوني، لتثبت الفنانة العربية مجدداً أن عين الكاميرا حين تلتقط تفاصيل الانتماء، فإنها لا توثق الماضي فحسب، بل تصنع بصيرة بصرية تؤسس للمستقبل.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *