آخر الأخبار

تونس الخضراء تنبض بقلب المتوسط: قراءة في الأبعاد الاستراتيجية لقمة البيئة والاستدامة الساحلية

شارك

جليلة كلاعي تونس

لم تكن تونس يوماً مجرد وجهة سياحية عابرة على خارطة المتوسط، بل هي حارسة التاريخ وشريكة الجغرافيا في صياغة مستقبل هذا الحوض المائي الفريد.
واليوم، يتجاوز سحر شطآنها الفيروزية حدود الاستجمام ليتحول إلى منصة قيادة فكرية وبيئية رفيعة المستوى، حيث تفتح تونس ذراعيها لاستضافة الاجتماع الإقليمي السنوي الرابع لتقييم حصيلة البرنامج البيئي للبحر الأبيض المتوسط.
هذا الحدث لا يمثل مجرد حلقة في سلسلة اللقاءات الدبلوماسية الروتينية، بل هو إعلان صريح عن مرحلة مفصلية تتشابك فيها التحديات المناخية الراهنة مع تطلعات التنمية المستدامة، وتؤكد من خلاله تونس دورها الريادي كحلقة وصل جغرافية وسياسية قادرة على حشد الجهود الدولية لإنقاذ إرث بيئي مشترك يهدده التلوث والارتفاع غير المسبوق لدرجات الحرارة. إنها اللحظة التي تلتقي فيها الإرادة السياسية مع الخبرات التقنية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة وصندوق البيئة العالمي، لتسطير ملامح توازن جديد بين استغلال الثروات البحرية وحمايتها للأجيال القادمة.

يتجاوز التحليل العميق لهذا اللقاء فكرة رصد الميزانيات أو تقييم المؤشرات الرقمية الفنية، لينفذ إلى جوهر فلسفة “الصمود المناخي” التي باتت حجر الزاوية في السياسات السيادية للدول المطلة على المتوسط؛ فالبرنامج الذي تلتئم حوله عشر دول من شمال إفريقيا وشرق المتوسط والبلقان، يطرح رؤية شمولية تفكك الأزمات البيئية إلى عناصر متداخلة، حيث لا يمكن فصل مكافحة التلوث الصناعي في المناطق الساحلية ذات الأولوية عن حماية التنوع البيولوجي البحري الذي يشكل عصب السياحة البيئية والاقتصاد الأزرق.
ويأتي هذا الاجتماع ليعيد صياغة آليات الحوكمة الشاملة وإدارة المعارف المشتركة، مبرزاً المقاربة التونسية التي تربط بذكاء بين الحفاظ على النظم الإيكولوجية الهشة وإدماج الأبعاد الاجتماعية، بما في ذلك مقاربة النوع الاجتماعي، مما يمنح المشاريع البيئية عمقاً إنسانياً وتنموياً يضمن استدامتها وتحولها من خطط على الورق إلى سلوكيات وممارسات مجتمعية يومية تؤمن السواحل وتحمي المجتمعات المحلية من تقلبات المناخ العنيفة.

إن احتضان تونس لهذا الحدث الإقليمي يحمل في طياته رسائل استراتيجية بالغة الأهمية لمنظومة السياحة العربية ككل، حيث يثبت بالدليل القاطع أن مستقبل الجذب السياحي في المنطقة بات مشروطاً بمدى سلامة وأمن بيئتها البحرية وسواحلها، فالاستثمار في الأمن البيئي ومكافحة الأنشطة البرية الملوثة لم يعد ترفاً فكرياً أو عبئاً اقتصادياً، بل هو الاستثمار الأذكى والأكثر استدامة لحماية الهوية السياحية المتوسطية.


ومن خلال هذا التنسيق رفيع المستوى بين تونس والشركاء الماليين والتقنيين الدوليين، يتضح أن الحوض المتوسطي يمر بمرحلة إعادة هيكلة حقيقية لسياساته البيئية، تضع حماية الطبيعة في مقدمة أولويات الأمن القومي الاقتصادي، مما يمهد الطريق لولادة نمط سياحي جديد، سياحة مسؤولة تلهم الزائر وتحترم البيئة، وتجعل من تونس الخضراء منارة تضيء طريق الاستدامة لضفتي المتوسط.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *