بقلم: زكي بن عبد الرحمن آلجوهر

لم تكن الأحساء يومًا مجرد واحة مترامية الأطراف، بل كانت عبر التاريخ نقطة التقاء للحضارات، ومركزًا للتجارة والزراعة، وموطنًا لواحدة من أعرق البيئات الإنسانية في الجزيرة العربية. واليوم، تواصل الأحساء ترسيخ مكانتها باعتبارها نموذجًا وطنيًا يجمع بين المحافظة على الإرث التاريخي والانطلاق نحو مستقبل تنموي طموح، مستندة إلى رؤية السعودية 2030، وإلى خطط استراتيجية تمتد بآفاقها حتى عام 2050.
فإدراج واحة الأحساء ضمن قائمة التراث العالمي، إلى جانب تسجيلها كأكبر واحة نخيل في العالم، لم يكن مجرد اعتراف بقيمة تاريخية، بل تأكيدًا على مسؤولية وطنية للحفاظ على هذا الإرث، وتحويله إلى رافد اقتصادي وسياحي وثقافي يسهم في تنويع الاقتصاد الوطني.
هيئة تطوير الأحساء… رؤية تتجاوز تنفيذ المشاريع
جاء تأسيس هيئة تطوير الأحساء ليؤسس لمرحلة جديدة من التنمية المؤسسية، تقوم على التخطيط طويل المدى، وتوحيد الجهود بين الجهات الحكومية، وتعزيز التكامل مع القطاع الخاص والمجتمع المحلي.
وقد تبنت الهيئة نموذجًا تنمويًا لا يقتصر على إنشاء المشاريع، بل يركز على بناء منظومة متكاملة تشمل التخطيط الحضري، وإدارة الموارد الطبيعية، وتحسين جودة الحياة، ورفع كفاءة البنية التحتية، وتنمية الاقتصاد المحلي، مع المحافظة على الهوية العمرانية والثقافية للأحساء.
وتؤكد مؤشرات الأداء الرئيسة لعام 2025 أن هذه الرؤية تحولت إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع؛ إذ حققت الهيئة 100% في بناء الاستراتيجية المؤسسية، وإنجاز المشاريع الاستشارية، والمخطط المحلي، واستراتيجية المناطق المفتوحة، وتطوير وسط الهفوف التاريخي، وتحديث المحتوى الرقمي، والتحول الرقمي المؤسسي. كما تجاوزت المستهدف في الالتزام بالجدول الزمني للمشروعات بتحقيق 95% مقابل مستهدف 85%، ورفعت عدد الشراكات مع الجهات الحكومية إلى 18 شراكة مقابل مستهدف 12 شراكة، وبلغت نسبة تفعيل الاتفاقيات 60% مقابل مستهدف 50%. وسجلت الهيئة 96% في جاهزية بيانات وأنظمة المعلومات الجغرافية، و91% في تنفيذ خارطة طريق المشروعات، و84% في تنفيذ الخطة البحثية، و82% في معالجة ملاحظات المراجعة الداخلية متجاوزة المستهدف البالغ 80%، فيما ارتفع عدد المستفيدين من البرامج التدريبية إلى 81 مستفيدًا مقابل مستهدف 65 مستفيدًا. وتعكس هذه المؤشرات أن التنمية في الأحساء تُدار وفق منهجية قائمة على قياس الأداء، وتحقيق المستهدفات، والتحسين المستمر، بما يعزز كفاءة العمل المؤسسي ويرفع جودة المخرجات التنموية.
المخطط المحلي الشامل… خارطة طريق حتى عام 2050
يعد المخطط المحلي الشامل أحد أهم المشاريع الاستراتيجية التي تعمل عليها الهيئة، إذ يمثل المرجعية الرئيسة للتوسع العمراني والتنمية المكانية خلال العقود المقبلة.
وقد بلغ المشروع مراحل متقدمة من الإنجاز، ويهدف إلى تنظيم استخدامات الأراضي، وتوجيه النمو العمراني بصورة متوازنة، وحماية الأراضي الزراعية، وتطوير شبكات النقل، ورفع كفاءة الخدمات العامة، بما يضمن استدامة التنمية ويحد من التوسع العشوائي.
كما يركز المخطط على إنشاء مراكز حضرية متكاملة، وتعزيز الترابط بين المدن والقرى، وتحسين البيئة العمرانية، بما يجعل الأحساء أكثر قدرة على استيعاب النمو السكاني والاقتصادي المتوقع خلال السنوات المقبلة.
حماية الواحة… التنمية التي تبدأ من البيئة
في الوقت الذي تتجه فيه كثير من المدن إلى التنمية العمرانية السريعة، اختارت الأحساء أن تجعل البيئة أساسًا للتنمية.
ويبرز مشروع محمية واحة الأحساء بوصفه أحد أبرز الإنجازات، بعد اكتمال تنفيذه، ليشكل خطوة مهمة في حماية التنوع الحيوي، والمحافظة على الغطاء النباتي، وصون النظام البيئي الذي يمثل أحد أهم مقومات الواحة.
ولا تقتصر أهمية المشروع على الجانب البيئي، بل يمتد أثره إلى دعم السياحة البيئية، وتعزيز الهوية الزراعية، ورفع جودة الحياة، وتحقيق مستهدفات الاستدامة البيئية.
العمارة السعودية… هوية لا تُستنسخ
من المبادرات اللافتة التي تعمل عليها الهيئة إنشاء الاستوديو التصميمي، الذي يمثل منصة لتطبيق موجهات العمارة السعودية في المشاريع الجديدة، بما يضمن الحفاظ على الطابع العمراني المميز للأحساء.
فالعمارة ليست مجرد مبانٍ، بل هي انعكاس للهوية والثقافة، ولذلك تسعى الهيئة إلى أن تحمل المشاريع الحديثة روح المكان، سواء في تطوير وسط الهفوف التاريخي أو في المشروعات العمرانية المستقبلية.
ويعزز هذا التوجه جاذبية الأحساء سياحيًا واستثماريًا، ويمنحها شخصية عمرانية متفردة تميزها عن غيرها من المدن.
اقتصاد أكثر تنوعًا
تسعى الهيئة إلى تحويل الأحساء إلى بيئة جاذبة للاستثمار، عبر تهيئة الفرص الاقتصادية، وتحسين الإجراءات، وتطوير البنية الأساسية، وتعزيز الشراكات مع المستثمرين.
ويشمل ذلك دعم القطاعات الواعدة مثل السياحة، والخدمات اللوجستية، والصناعات الزراعية والغذائية، والاقتصاد الإبداعي، بما يسهم في تنويع مصادر الدخل وخلق فرص عمل نوعية لأبناء وبنات الأحساء.
كما أن الموقع الجغرافي للأحساء يمنحها ميزة تنافسية تجعلها مؤهلة لتكون مركزًا لوجستيًا يخدم المنطقة الشرقية ويربطها بالأسواق الخليجية.
التحول الرقمي… إدارة أكثر كفاءة
أولت الهيئة اهتمامًا كبيرًا بالتحول الرقمي، باعتباره ركيزة أساسية لتحسين الأداء المؤسسي ورفع جودة الخدمات، وهو ما انعكس في تحقيق نسبة إنجاز كاملة في مشاريع التحول الرقمي، واقتراب جاهزية أنظمة المعلومات الجغرافية من الاكتمال، الأمر الذي يعزز اتخاذ القرار المبني على البيانات، ويرفع كفاءة الخدمات المقدمة للمستفيدين والمستثمرين.
الإنسان في قلب التنمية
لا تقتصر التنمية على الطرق والمباني، بل تبدأ بالإنسان.
ولهذا تحرص الهيئة على أن تنعكس مشاريعها على جودة الحياة، من خلال تطوير الحدائق والمرافق العامة، وتحسين المشهد الحضري، وتعزيز المساحات المفتوحة، ودعم الأنشطة الثقافية والتراثية، بما يجعل الأحساء بيئة أكثر جذبًا للعيش والعمل والاستثمار.
كما تمثل المحافظة على التراث العمراني والأسواق التاريخية والحرف التقليدية عنصرًا مهمًا في تعزيز الهوية الوطنية وربط الأجيال بتاريخهم، إلى جانب الاستثمار في بناء القدرات البشرية، وهو ما تعكسه الزيادة في عدد المستفيدين من البرامج التدريبية، بما يواكب احتياجات التنمية المستقبلية.




