آخر الأخبار

تونس اللؤلؤة الخالدة: حين تتوج سيدي بوسعيد عرش التراث العالمي بنفحة من سحر قرطاج وعمق التاريخ

شارك

عبد الوهاب البراري ـ تونس السياحة العربية

هل يمكن لقطرة حبر في سجلات التاريخ أن تختزل بحراً من الفيروز، أو يختصر جدار كلسي أبيض وشباك أزرق عتيق قصة حضارات تعاقبت على أرض تونس الخضراء؟ اليوم، لم يعد هذا التساؤل مجرد مناجاة شاعرية على ضفاف المتوسط، بل تحول إلى حقيقة كونية ساطعة مع إعلان منظمة اليونسكو انضمام قرية “سيدي بوسعيد” الأسطورية إلى قائمة التراث العالمي، ليرتفع بذلك رصيد تونس إلى أربعة وعشرين عنصراً وموقعاً مسجلاً، متوجةً كأول بلد عربي يتربع على عرش المواقع المادية بعشرة معالم كاملة.
إن هذا الحدث ليس مجرد ترقيم جاف في قوائم المنظمات الدولية، بل هو أشبه بمسرحية شكسبيرية مهيبة، يعود فيها المجد ليركع أمام سحر الطبيعة وعزيمة الإنسان، معلناً انتصار الجمال الخالد على عاديات الزمن وتقلبات الفصول، ليعيد صياغة المشهد السياحي والثقافي العربي والعالمي من جديد.

تأتي “سيدي بوسعيد” في هذا الموعد الاستثنائي لتمثل ذروة التلاحم السينمائي بين الجغرافيا الإلهية والهندسة البشرية، فهي ليست مجرد رقعة جغرافية، بل هي ملحمة من الألوان تختزل صراع الضوء والظل في تزاوج أبدي بين زرقة السماء والبحر وبياض القباب التي تذكرنا بنقاء الأرواح الصوفية التي سكنتها.
إن هذا الاعتراف الأممي يسلط الضوء على تونس باعتبارها متحفاً مفتوحاً لا يهدأ، حيث يتناغم الأثر الروماني في قرطاج والجم مع عبق الحارات الأندلسية في العاصمة وسوسة، وصولاً إلى الواحات ورمال جربة الدافئة.
هذا التسجيل الجديد يعيد تشكيل خارطة الجذب السياحي للبلاد، ناقلاً إياها من فكرة “السياحة الشاطئية العابرة” إلى أفق “السياحة الثقافية المستدامة وعميقة الأثر”، حيث يصبح السائح رحالةً يبحث عن الجذور، وشاهداً على حضارة تمتد لآلاف السنين من الإبداع الإنساني المتواصل.

إن عمق القوة الثقافية التونسية يتجلى في هذا المزيج الفريد والعبقري بين ما هو مادي تلمسه الأيدي، وما هو غير مادي تسكنه الروح ويتوارثه الوجدان، فبينما تحمي أسوار دقة والجم جثامين التاريخ المادي، تتنفس الهريسة التونسية، وفخار سجنان، وأغاني طوائف غبنتن، ومهارات الصيد بالشرفية، في عروق الأجيال كأنها ترانيم أبدية لا تموت.


إن الـ 24 عنصراً المسجلة تجعل من تونس حالة دراسية استثنائية في كيفية صون الهوية القومية وسط عالم يتجه نحو العولمة والنمطية، فالأمر هنا لا يتعلق بترف سياحي، بل بمسؤولية تاريخية وأخلاقية جسيمة لحماية هذا الإرث من الاندثار، وتقديمه للعالم كرسالة سلام وانفتاح، تؤكد أن العرب كانوا وما زالوا صناع حضارة وحراس جمال، وأن سيدي بوسعيد هي الستار الذي يرفع اليوم ليعلن بداية فصل جديد من فصول المجد التونسي على الركح العالمي.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *