في زمن لم تعد فيه الأوطان مجرد جغرافيا مسيجة بحدود، بل فضاءات ممتدة من المعرفة والاتصال، تتبدى قيمة الجاليات المهاجرة كقوة ناعمة وذخيرة استراتيجية لا غنى عنها في معادلات التنمية الحديثة. من هذا المنطلق، لم يعد الصيف في تونس مجرد موسم لعودة المغتربين بحثاً عن شواطئ المتوسط أو حنيناً لأزقة المدن العتيقة، بل تحول بفضل مبادرات رائدة إلى مختبر وطني مفتوح للأفكار وصناعة المستقبل. ولعل ما تشهده الساحة التونسية اليوم، من خلال جولة اللقاءات الجهوية التي تنظمها “جمعية التونسيين خريجي المدارس العليا” (ATUGE) بالشراكة مع التحالف العالمي للكفاءات التونسية، يمثل تجسيداً حياً لسيناريو جديد، سيناريو يعيد صياغة العلاقة بين النخبة المهاجرة ومواطنها الأصلي، ناقلاً إياها من مربع “الارتباط العاطفي والمساعدات التقليدية” إلى أفق “الشراكة المعرفية والاستثمار الذكي”.
إن هذه السلسلة من اللقاءات، التي تطوف بأرجاء البلاد من شمالها في بنزرت إلى جنوبها في جربة، مروراً بصفاقس وسوسة والحمامات والشمال الغربي، لا تتحرك في فراغ تنظيمي، بل تأتي كموجة ارتدادية إيجابية للنجاح الهائل الذي حققه “المنتدى العالمي لتونس” في العاصمة. تكمن العبقرية الهيكلية لهذه المبادرة في تبنيها لمبدأ “اللامركزية المعرفية”، فبدلاً من حصر النقاشات النخبوية في قاعات الفنادق الكبرى بالعاصمة، اختار المنظمون النزول إلى الأقطاب الاقتصادية الجهوية، إيماناً بأن عبقرية المكان في كل جهة تملك مقومات فريدة قادرة على استيعاب أحدث تكنولوجيات العصر إذا ما تم ربطها بالعقول المناسبة.
في عمق الطرح التحليلي لهذه التظاهرة، يبرز “الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي” كحجر زاوية ورهان مستقبلي تخوضه تونس لتعزيز تموقعها في الخارطة التكنولوجية العالمية. لم يعد الحديث هنا ترفاً فكرياً، بل ضرورة ملحة لمناقشة كيف يمكن لهذه التقنيات الثورية أن تثور على الأنماط التقليدية لإدارة وتطوير القطاعات الحيوية في الجهات، بدءاً من الفلاحة الذكية في باجة وجندوبة، مروراً بالصناعات التحويلية في صفاقس وسوسة، وصولاً إلى السياحة الرقمية المستدامة في جربة والحمامات. إن جمع هذه الكفاءات المهاجرة، التي تقود مشاريع عملاقة في وادي السليكون وعواصم القرار الأوروبي، مع أصحاب الشركات الناشئة والطلبة والفاعلين المحليين، يخلق بيئة خصبة لنقل التكنولوجيا وتوطين المعرفة، مما يقلص الفجوة الرقمية بين المركز والأطراف ويفتح آفاقاً غير مسبوقة لريادة الأعمال المحلية.
هذا الحراك السنوي يفرض علينا قراءة أعمق لأدوار “مجلات السياحة” والترويج للأوطان، حيث تتداخل سياحة الأعمال بسياحة الجذور لتنتج ما يمكن تسميته “بالسياحة المعرفية”. إن استقطاب العقول التونسية في هذا التوقيت بالذات، وتحويل العطلة الصيفية إلى ورشات عمل تفاعلية، يسهم في تقديم صورة ملهمة عن تونس كبيئة جاذبة للاستثمار والابتكار، وليس فقط كوجهة شاطئية.
إنها خطوة جبارة نحو تحويل الهجرة من “نزيف للأدمغة” إلى “تدوير واستثمار للأدمغة”، حيث تعود هذه الكفاءات محملة برؤوس أموال معرفية وشبكات علاقات دولية قادرة على دمج الاقتصاد التونسي في سلاسل القيمة العالمية، لتظل هذه اللقاءات بمثابة الجسر الذي يربط أصالة الجذور بأجنحة المستقبل الرقمي.