آخر الأخبار

أهرامات الطين والذهب: كيف تصوغ ليبيا وتونس درع التراث العربي في زمن التهديدات السيبرانية والاتجار العابر للحدود

شارك

عبد الوهاب البراري ـ تونس السياحة العربية

لم يعد مفهوم السيادة الوطنية مقتصراً على تأمين الحدود الجغرافية أو صون المجالات الجوية، بل أصبحت الذاكرة الحضارية للشعوب هي خط الدفاع الأول عن وجودها.


وفي عالم يتسارع فيه طمس الهويات، وتنشط فيه شبكات الجريمة المنظمة العابرة للقارات لتهريب التاريخ وتحويله إلى سلع في مزادات سرية، جاءت تونس لتقود مع شقيقتها ليبيا حراكاً قانونياً وتاريخياً يعيد ترتيب الأوراق الأمنية والثقافية للمنطقة العربية برمتها.
إن صياغة مشروع “القانون العربي الاسترشادي لحماية الآثار والتراث الوطني” بمقر الأمانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب في تونس، لم يكن مجرد اجتماع بروتوكولي لخبراء القانون، بل كان بمثابة إعلان حالة الطوارئ الثقافية القصوى لحماية ما تبقى من روح الأمة العربية وموروثها الإنساني.
العمق التحليلي لهذا الحراك يكمن في التحول الجذري لآليات المواجهة، فالقانون المرتقب الذي نوقشت مواده الاثنتان والخمسون لم يأتِ ليعالج الأزمات بمسكنات تشريعية تقليدية، بل وضع إطاراً شاملاً يربط بين الأمن السياحي، والملاحقة الجنائية، والتوثيق الرقمي.
وترؤس دولة ليبيا لأعمال هذا الاجتماع الختامي يمنح المشهد أبعاداً بالغة الأهمية، نظراً لما عانته المواقع الأثرية الليبية الممتدة عبر مساحات شاسعة من تحديات أمنية معقدة خلال العقد الأخير.
هذه التجربة الميدانية المريرة تحولت في تونس إلى طاقة تشريعية صلبة، حيث قدم الوفد الليبي متعدد القطاعات تعديلات فنية وملاحظات عميقة بُنيت على معايشة حقيقية لثغرات التهريب والاتجار غير المشروع، مما جعل القانون وليداً لمعاناة الواقع وليس مجرد تنظير وراء المكاتب المغلقة.

يتجاوز هذا القانون فكرة العقاب التقليدي للمهربين ليصل إلى جذور الأزمة، وهي غياب قواعد بيانات عربية موحدة ومربوطة بنظم الإنتربول الدولي بشكل فوري وثنائي.
إن فصول القانون الأربعة التي تنظم عمليات تسجيل الآثار وتصنيفها تهدف بالأساس إلى سد الثغرات التي تستغلها العصابات الدولية مستفيدة من التباين التشريعي بين الدول العربية.
وبفضل هذا التنسيق المشترك، تصبح المعالم الأثرية في تونس، أو ليبيا، أو العراق، أو مصر، جزءاً من منظومة أمنية قومية واحدة، حيث يُعامل الاعتداء على أي أثر عربي باعتباره تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي الشامل. هذا المنظور التكاملي يثبت أن الآثار ليست مجرد حجارة صامتة تجلب السياح، بل هي وثائق وجودية وثروات سيادية غير قابلة للتجديد.

وفي المحصلة، فإن خروج هذا القانون الاسترشادي إلى النور من قلب العاصمة التونسية يمثل نقطة تحول استراتيجية في العمل العربي المشترك. لقد أدركت الحكومات العربية، بقيادة وزارات داخليتها وعدلها وثقافتها، أن حماية الهوية لم تعد ترفاً فكرياً، بل هي معركة بقاء شرسة في وجه العولمة وطمس المعالم وتجفيف المنابع الثقافية.


إن هذا القانون يضع حجر الأساس لعهد جديد من “الأمن الثقافي الوقائي”، ويؤكد أن تونس وليبيا، برغم كل التحديات، ما زالتا تمتلكان الوعي والقدرة على قيادة الأمة نحو صون ذاكرتها الجماعية، وحماية إرث الأجداد ليكون منارة تضيء طريق الأجيال القادمة.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *