عبد الوهاب البراري ـ تونس السياحة العربية
هل يمكن لليلة واحدة أن تعيد رسم الخارطة الاقتصادية لمدينة تاريخية بأكملها؟ حين تقف القيروان شامخة أمام ثمانين ألف زائر تحتفي بنور النبوة وعراقة التاريخ، تدرك أن السياحة الدينية والثقافية ليست مجرد تراث يُستذكر، بل هي شريان حياة يتدفق في مفاصل الاقتصاد المحلي.
إن الزيارة الميدانية الأخيرة التي أداها وزير السياحة التونسي، السيد سفيان تقية، إلى عاصمة الأغالبة بالتزامن مع ذكرى المولد النبوي الشريف، لم تكن مجرد مواكبة لطقوس دينية أو بروتوكولات رسمية، بل حملت في طياتها ملامح استراتيجية تنموية واعدة تسعى إلى تحويل الموروث الروحي إلى رافعة استثمارية مستدامة، تفك العزلة عن الجهات الداخلية وتمنحها بريقاً تسويقياً يستحق التوقف عنده والتحليل.

تبدأ ملامح هذه الرؤية من جامع عقبة بن نافع، حيث يمتزج الموكب الديني بروحانية المكان ليعلن انطلاق موسم سياحي استثنائي تجاوزت مفاعيله الجانب الروحي لتلقي بظلالها على المشهد التجاري والخدماتي في الولاية.
فالإقبال الجماهيري اللافت الذي توّجه العرض الضوئي الباهر باستقطاب نحو ثمانين ألف متابع، يبرهن على أن القيروان تمتلك طاقة جذب هائلة قادرة على إنعاش سياحة المهرجانات. هذا التدفق البشري تُرجم سريعاً إلى لغة الأرقام من خلال تسجيل نسب إشغال قياسية في مؤسسات الإيواء السياحي، وهو ما يؤكد حاجة القطاع إلى مثل هذه التظاهرات الكبرى التي يدعمها صندوق تنمية القدرة التنافسية، لضمان استمرارية الحركية الاقتصادية طوال العام وعدم ارتهانها بالمواسم التقليدية الشاطئية.

ولأن البنية التحتية والمحيط البيئي هما حجر الأساس لأي استراتيجية سياحية ناجحة، جاء الإجراء التشغيلي المتمثل في رصد اعتمادات إضافية بقيمة 1.162 مليون دينار لفائدة بلدية القيروان ليؤكد وعي الدولة بضرورة المزاوجة بين الجذب السياحي والاستدامة البيئية. هذا التمويل المتأتي من صندوق حماية المناطق السياحية يمثل استثماراً ذكياً في “جمالية المكان”، فالعناية بالنظافة وتوفير المحيط اللائق ليس ترفاً، بل هو الضامن الأول لتقديم تجربة إيجابية للزائر تعزز رغبته في العودة وتطيل فترة إقامته.
إنها خطوة هيكلية تهدف إلى جعل القيروان بيئة جاذبة ومريحة للمواطنين والضيوف على حد سواء، مما يرفع من تصنيفها كوجهة متميزة في سياحة المدن.




