آخر الأخبار

*واحة الأبديّة والجمال: أرجوحة السياحة الحساوية بين عبق الماضي وتجدد الحاضر*

شارك

​بقلم: المستشار الثقافي للمجلة / د. عبدالله البطيّان

​حين يطلّ سبتمبر 2026 بنسماته الأولى على واحة الأحساء، لا يقتصر الأمر على مجرد دوران فصول السنة، بل هو إعلان عن تجدد طقوس العشق بين الإنسان والأرض.

فالأحساء، تلك الأيقونة المتربعة على عرش أكبر واحة نخيل متصلة في العالم، لم تعد مجرد محطة عابرة في كتاب الجغرافيا السياحية، بل تحولت إلى نصٍ أدبيٍ مفتوح يقرؤه المسافر بعين الدهشة وقلب الحالم.

*ظلال اللومي وذهب الواحة: لغة الأرقام في محراب الجمال*

​شهدت هذه الواحة الساحرة مؤخراً معانقة فريدة بين تراثها الزراعي وحراكها السياحي المعاصر؛ حيث خطف معرض اللومي الحساوي 2026 أنظار السياح والمهتمين، مسجلاً أرقاماً استثنائية تعكس نبض الحياة المتدفق في أوردة الواحة.

فقد استقطب المعرض أكثر من 350 ألف زائر تقاطروا من داخل المملكة وخارجها، متجولين بين 80 بوثاً وجناحاً تفاعلياً صُممت بعناية لتعكس روح الأصالة والابتكار التحويلي. وقد حضر هذا العرس السياحي ما يزيد عن 200 مشارك من المزارع والمنتجين والحرفيين، ليقدموا للزوار لوحة متكاملة تضم أكثر من 25 صنفاً زراعياً وأجود أنواع اللومي والتمور، إلى جانب 30 صناعة تحويلية مبتكرة استوحت عبق التراث لترسم ملامح مستقبل السياحة الزراعية المستدامة وتتزايد الأرقام حتى ينصرم المعرض وتتكشف الإحصائية الرسمية.

​ولم تكن هذه الحكاية حبيسة جدران الواحة، بل رافقها انتشار إعلامي واسع تجاوز ملايين المشاهدات والتفاعلات عبر المنصات الرقمية ووسائل الاعلام المختلفة، تزامناً مع استعداد الواحة لاستقبال موسم “صِرام التمور”، ذلك العرس السنوي الذي تُزف فيه رطبات النخيل إلى أسواق العالم، محملة بعبق التاريخ وحكايا الأجداد وهذا يعكس المشهد الثقافي المتجدد والمتطور بين الإنسان والبيئة.

*حكايات الحجر والنخل:*

جبل القارة والقيصرية
​وإن سرت في أزقة الهفوف وتاريخها العريق، فكأنك تمشي في متحف فني مفتوح.

جبل القارة بكهوفه الباردة ومغاراته التي تختبئ فيها أسرار الطبيعة، وسوق القيصرية التاريخي بأروقته العتيقة ورائحة التوابل والعطور الحساوية، يمثلان قطبين لجذب السياح الباحثين عن المعنى العميق للسفر.

هنا، لا يقتصر الاستمتاع على التقاط الصور فحسب، بل يتعداه إلى التفاعل الحي مع الحرف اليدوية، والصناعات التقليدية، والتناغم الفريد بين إرث أثري عريق، وبنية سياحية متطورة تضم عشرات المعالم البارزة التي تتسابق لخدمة الزائر والأماسي والفعاليات والمناشط الثقافية على امتداد الواحة بين مساحة تغريد هنا معرض، وأماسي في مساحة الشايب، ومناشط ثقافية في مساحة أبعاد ومسرحيات في جمعية الثقافة والفنون ودورات تدريبية في جمعية أدباء، ومناقشات جمعية الأدب في المقاهي، وبرامج تعريفية لجمعية النشر، وأطروحات في مشهد الفكر الأحسائي، وأمثال متعددة واسعة النطاق نقدمها مثالًا لا حصرًا لتشخيص تنامي المشهد الثقافي والإبداعي في واحة الأحساء وما حولها.

*آفاق متجددة للسياحة الثقافية*

​إن ما تشهده الأحساء اليوم من فعاليات مستمرة وتطوير واعٍ لقطاعها السياحي، مدعوماً بتلك الأرقام والمؤشرات المتصاعدة، يعكس رؤية ثاقبة تدرك أن السياحة المستدامة تبدأ من صون الهوية.

فكل نخلة هنا تحرس حكاية، وكل زاوية تروي قصة كفاح وإبداع إنساني توّج باستحقاقاتها العالمية المتتالية.

​في سبتمبر هذا العام، نجدد الدعوة لكل عاشق للجمال والترحال لكي يشدّ الرحال نحو هذه الواحة؛ حيث يتدثر الزائر بدفء الضيافة الحساوية الأصيلة، ويعود محمّلاً بذاكرة لا تُمحى من النور، والنخيل، والتراب الغالي.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *