آخر الأخبار

تونس تُحلّق بنقد الشعر في فضاء البابطين: “الأسلوبية العرفانية” قراءة في أبعاد التتويج الثقافي

شارك

جليلة كلاعي تونس

حين تلتقي بلاغة القوافي بعمق المنهج النقدي، تتشكل منصات التتويج لتكرم صناع المعرفة ومكتشفي الجمال الكامن بين السطور.
وفي خطوة تؤكد مجدداً ريادة المدرسة النقدية التونسية وقدرتها على استنطاق النص الشعري بآليات معاصرة، توج الشاعر والناقد التونسي الدكتور محمد صالح البوعمراني بجائزة الإبداع في مجال نقد الشعر ضمن “جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري” لعام 2026.
هذا الاستحقاق الذي أعلنته المؤسسة الثقافية العريقة في دورتها العشرين، لا يمثل مجرد فوز لشخص البوعمراني، بل هو شهادة متجددة على حيوية المنجز النقدي المغاربي والعربي، ودوره في مد جسور الفهم بين التراث العروبي والمناهج التفكيكية الحديثة، وسط منافسة محتدمة شهدت مشاركة أكثر من خمسمائة عمل إبداعي وبحثي من مختلف أقطار الوطن العربي.

يأتي فوز البوعمراني عن كتابه الفذ «الأسلوبية العرفانية والانفعالات الشعرية» ليفتح باباً جديداً للقراءة والتحليل؛ فالكتاب يغوص في فضاءات “العرفانية” (Cognitive) رابطاً الإدراك البشري بالدفق الشعوري الذي يصنعه الشاعر، ومحاولاً فك شفرات الأثر النفسي والجمالي والفكري الذي تتركه القصيدة في وعي المتلقي.
ولم يكن هذا التتويج منفرداً، بل جاء مناصفة مع الناقد الجزائري الدكتور عبد القادر فيدوح عن مؤلفه «الشعر وأسئلة الحضارة»، وهو ما يعكس تقاطعاً نقدياً مغاربياً بامتياز، تذوب فيه الحدود الجغرافية لصالح وحدة الهم المعرفي والثقافي، حيث يقتسم الناقدان قيمة الجائزة البالغة ثمانين ألف دولار، مقدمين للمكتبة العربية دراستين تؤسسان لوعي نقدي متجاوز للأنماط التقليدية.

إن هذا الفوز يحمل دلالات عميقة تتجاوز البعد المادي؛ فهو يبرهن على أن النقد ليس تابعاً للشعر بل هو شريك في الصيرورة الإبداعية، يمنحها الشرعية المعرفية ويسلط الضوء على خباياها.
وفي سياق الثقافة العربية المعاصرة، يشكل احتفاء مؤسسة البابطين بهذه الرؤى النقدية العميقة -إلى جانب منحها الجائزة التقديرية للشاعر السوري عبد القادر الحصني- تكاملاً حقيقياً بين الموهبة الفذة والدراسة الأكاديمية الصارمة.


في النهاية، يعيد تربع محمد صالح البوعمراني على عرش نقد الشعر هذا العام التأكيد على أن تونس، الخضراء بشعرها، تظل خصبة بعقولها النقدية، قادرة دائماً على قيادة قاطرة التجديد الثقافي في العالم العربي.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *