آخر الأخبار

حينما ينحني الخريف إجلالاً لملوك المال: سيمفونية السكون والرحيل المخملي

شارك

عبد الوهاب البراري ـ تونس السياحة العربيّة

رويداً رويداً، تُطوى عباءة الصيف القائظ وتنزع الشواطئ تيجانها الصاخبة، لتبدأ حكايةٌ أخرى نسجتها خيوط الذهب الخريفي، حكايةٌ لا يرويها العوام، بل يسطرها عليها القوم وصفوة الخلق الذين وجدوا في صمت الطبيعة ملاذاً يفوق كل بذخٍ صيفي مضى.
إننا نشهد اليوم هجرةً مهيبة، لا تحركها الفصول بل تقودها الرغبة في التفرّد والبحث عن الخصوصية المطلقة، فيما بات يُعرف في بلاط السياحة العالمية بظاهرة «Fallcation»، حيث غدا الخريف هو الميقات الأسمى والعرش الحقيقي لإجازات النخبة التي تنشد السكينة بعيداً عن صخب الحشود وأنفاس العامة المزدحمة.

وإن تعجب، فانظر إلى لغة الأرقام التي لا تكذب ولا تداهن، إذ تشير السجلات الفاخرة لشبكة «Virtuoso» إلى أن حجوزات هذا الفصل المعتدل قد قفزت قفزةً عظيمة بنسبة بلغت تسعة وخمسين بالمائة، بينما ارتفعت عوائدها ومبيعاتها بنسبة تقارب السبعين بالمائة.
وفي هذا المشهد المهيب، تربع شهر سبتمبر كملك غير متوج على عرش الشهور، محققاً نمواً في مبيعاته بلغ سبعة وسبعين بالمائة، تتبعه الحجوزات بارتفاعٍ فاق الخمسين بالمائة.
ولم تكن زيادة أسعار القصور والفنادق المنيفة، والتي تجاوزت السبعة بالمائة، إلا حجراً صغيراً في وادٍ سحيق، لم يثنِ الملوك والأثرياء عن غايتهم؛ فالسكون في أعرافهم عملةٌ نادرة لا تُقاس بميزان الذهب، والخدمة المصممة على مقاس أحلامهم تستحق كل غالٍ ونفيس.

هكذا إذن، تتغير بوصلة الملوك والأمراء في عصرنا الحديث، فالمرافئ التي غصّت بيخوتهم صيفاً، من شواطئ المالديف الساحرة، إلى منحدرات سانتوريني البيضاء كالثلج، وساحل أمالفي الذي يغازل البحر في إيطاليا، وصولاً إلى إمارة موناكو الباذخة، كلها تخلع اليوم ثوب الصيف لتلبس حلة الخريف الهادئة.
في هذه الأيام، تتحول تلك الوجهات إلى مسارح خاصة تقدم عروضاً سرية لقلةٍ مختارة، حيث يُصنع السفر كقطعة قماش نادرة حيكت بطلبٍ خاص.


إنها رفاهية لا تتبجح بالذهب والفضة، بل بالفراغ والمدى الزمني والمكاني.
إنها توبة النخبة من ضجيج العالم، واعتكافهم المقّدس في محاريب الجمال الهادئ حيث يصبح الوقت ملكاً لهم وحدهم.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *