آخر الأخبار

قصر «مَرْضِيّة».. تحفة المعمار الأحسائي في أحضان النخيل

شارك

د.فاطمة بنت عبدالرحمن المُلا

بين أروقته ونقوشه الحساوية الأصيلة تتنفس جدران «قصر مَرْضِيّة» عبق التاريخ ليغدو إرثًا تاريخيًا ومعمارًا أحسائيًا فريدًا يُجسد عمق التراث الثقافي غير المادي والمادي لشرق الجزيرة العربية، معلمٌ شهد إقامة الملك عبد العزيز آل سعود -رحمه الله- أثناء زيارته للأحساء ومتحفٌ معماري حي يروي تفاصيل البناء التراثي الذي اختصت به المنطقة عبر العقود.
يتوسط هذا الصرح التاريخي البساتين الخضراء حيث يقع في قلب أرض زراعية خصبة تحيط بها أشجار النخيل الكثيفة والمحاصيل الأحسائية من كل جانب، مكرسًا التناغم القديم بين الإنسان وبيئته الواحية. هذا الموقع الاستثنائي يمنح المبنى طابعًا هادئًا تتمازج فيه خضرة النخيل مع لون الجص والطين، متوجًا القصر كشاهدٍ على النمط الاجتماعي والاقتصادي الذي اعتمد على الفلاحة واستخدام الموارد الطبيعية المحلية.
أما عن طرازه العمراني، فإنه يعكس الفن الهندسي الأحسائي الأصيل الذي يتألف من طابقين وبناء مستطيل يُبرز حنكة البنّاء الأحسائي القديم؛ حيث بُنيت أسقفه من خشب “الكندل” مع كِسوة الجدران بالجص العربي الحساوي وتزيينها بالنوافذ الطولية والمناور الملونة والأبواب الخشبية ذات الضلافتين.
وفي الدور الأرضي يمتد مجلس عريش مرضية ورواقه المزين بعقود جصية ذات زخارف بديعة، بينما يتوج الدور العلوي بمجلس “البنقلة” الذي يفتح نوافذه ومناوره نحو الجهات الأربع، ليسمح بمرور النسيم وتوفير الإضاءة الطبيعية مع منح الجالس إطلالة بانورامية ساحرة على امتداد واحة النخيل.
تتعدى أهمية القصر دوره كـ مبنى سكني أو استراحة ملكية ليكون جزءًا لا يتجزأ من التراث الثقافي الوطني ومكونًا رئيسيًا في ذاكرة الأحساء التاريخية. فقد كان القصر مركزًا اجتماعيًا وإداريًا لإدارة المزارع واستقبال الضيوف وتدعيم الروابط بين أهالي المنطقة، فضلاً عن رمزيته الوطنية المرتبطة بالزيارات الملكية وتأسيس الدولة. ويهدف الحفاظ على هذا المعلم وتأهيله اليوم إلى إبراز الهوية العمرانية السعودية وصون الموروث الحضاري، ليظل قصر مرضية رمزًا حيًا للتراث الثقافي يربط أصالة الماضي بتطلعات السياحة التراثية والثقافية في الواحة.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *