آخر الأخبار

السعودية.. حين يتحول التاريخ إلى تجربة سياحية نابضة بالحياة

شارك

بقلم . د / فاطمة الملا

لم تكن النهضة السياحية التي تعيشها المملكة اليوم حالة طارئة بل هي امتداد لمسيرة دولة ضاربة في عمق التاريخ، بدأت مع قيام الدولة السعودية الأولى في الدرعية عام 1744م حيث تأسست دعائم الاستقرار والوحدة، وانطلقت مرحلة جديدة أعادت تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي في الجزيرة العربية.

في الدرعية، وتحديدًا في حي الطريف، يعيش الزائر تجربة فريدة تتجاوز حدود الزيارة التقليدية؛ فالمكان ليس أطلالًا صامتة بل فضاءً ثقافيًا يعيد سرد قصة البدايات الأولى للدولة السعودية، الأزقة الطينية والقصور التاريخية تحولت اليوم إلى منصات تفاعلية تستقطب السياح والمهتمين بالتاريخ والثقافة من مختلف أنحاء العالم.

ومع تجدد المشروع الوطني في الدولة السعودية الثانية عادت الرياض مركزًا للحكم واستمر البناء السياسي والإداري، ومن أبرز معالم تلك المرحلة قصر المصمك الذي أصبح اليوم أحد أهم محطات السياحة التاريخية، حيث يقف الزائر في موقعٍ شهد لحظة مفصلية أعادت رسم مسار الدولة.

ولم تكن مناطق المملكة الأخرى بعيدة عن هذا الامتداد التاريخي؛ ففي شرق المملكة تبرز الأحساء بوصفها نموذجًا حيًا لتلاقي التاريخ بالطبيعة والإنسان، وتعد واحة الأحساء إحدى أكبر الواحات الطبيعية في العالم شاهدًا على عمق الاستقرار البشري والحضاري في المنطقة، إذ شكلت عبر القرون مركزًا اقتصاديًا وثقافيًا مهمًا، وكانت جزءًا من المشهد التاريخي الذي تعزز في مراحل الدولة السعودية المختلفة.

كما تحتضن الأحساء معالم تاريخية بارزة مثل قصر إبراهيم الذي يمثل نموذجًا معماريًا فريدًا يجمع بين الطابع العسكري والعمراني، ويستقطب اليوم الزوار بوصفه شاهدًا حيًا على تحولات سياسية وإدارية شهدتها المنطقة، إن التجول في ساحاته وأروقته يمنح السائح فرصة للانتقال بين طبقات زمنية متعددة، في تجربة ثرية تمزج بين التاريخ والهوية.

إن التراث المادي السعودي من قصور وأحياء تاريخية وواحات ومدن أثرية أصبح اليوم أحد أعمدة المنتج السياحي الوطني، فالسائح المعاصر يبحث عن القصة عن المعنى عن التجربة الأصيلة وهو ما توفره هذه المواقع التي تم تطويرها لتقدم محتواها بأساليب حديثة تحافظ على روح المكان وتُبرز قيمته الحضارية.

واليوم تقف المملكة في مصاف الدول المتقدمة مستثمرة تاريخها بوصفه عنصر قوة ناعمة ورافدًا اقتصاديًا مهمًا، فقد تحولت مواقع الدولة السعودية الأولى والثانية ومعها معالم الأحساء التاريخية والطبيعية إلى وجهات سياحية متكاملة تسهم في تنويع الاقتصاد وتعزز الحضور الثقافي للمملكة عالميًا.

وهكذا يصبح التاريخ السعودي رحلة مفتوحة أمام الزائر؛ رحلة تبدأ من الدرعية، مرورًا بالرياض، وتمتد إلى واحات الشرق، لتؤكد أن المملكة التي صنعت مجدها في الماضي، تقدم اليوم للعالم تجربة سياحية تجمع بين أصالة الجذور وحداثة الرؤية.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *