لطالما كانت الموسيقى في جوهرها جغرافيا بديلة، تذيب الحدود بين الأمكنة، وتختزل المسافات في نغمة. حين قررت جهة نابل التونسية أن تحتفل بعيد الموسيقى العالمي، لم تشأ أن تفعل ذلك خلف الجدران الصامتة للمسارح أو بين ردهات القاعات المغلقة، بل اختارت أن تهب النغم لعامة الناس، أن تجعله مشاعاً يومياً يتقاسمه المارّ بائسًا كان أم سعيدًا. هكذا تحولت القافلة الموسيقية المشتركة بين دار الثقافة ببوعرقوب والمعهد العمومي للموسيقى والرقص بنابل إلى وثيقة سوسيولوجية وفنية حية، تجوب الفضاءات المفتوحة لتثبت أن الشارع ليس مجرد ممر للعبور اليومي الرتيب، بل هو شريان نابض بجمالية التلقي العفوي.
العمق الحقيقي لهذه التظاهرة يتجاوز مجرد تقديم مقطوعات عازفة في الهواء الطلق؛ إنه يكمن في فلسفة “ديمقراطية الثقافة” وتقريب الفن من الفئات التي قد لا تملك ترف ارتياد دور العرض الثابتة. إن خروج الموسيقيين بآلاتهم إلى الساحات العامة في بوعرقوب وبورقيبة نابل يعيد صياغة العلاقة بين الفنان والمتلقي، حيث تسقط الكواليس وتلتحم النوتات بأصوات الباعة، وحفيف الأشجار، وحركة المارة الصيفية. هذا التشابك يخلق حالة من “المسرحة اليومية” للمدن، ويحول الفضاء الحضري من مجرد كتل إسمنتية صامتة إلى كائن حي يتنفس إيقاعاً، مما يعزز الهوية الثقافية المحلية ويمنح سكان المنطقة شعوراً بالانتماء لحدث كوني يحتفي بالإنسان من خلال أصفى إبداعاته.
توقيت هذه الحركة الفنية لم يكن معزولاً عن سياقه النفسي والاجتماعي؛ فقد تزامنت النغمات مع لحظة مشحونة بالترقب والبهجة الشعبية العارمة مع إعلان نتائج امتحان الباكالوريا، لتأتي القافلة كمعادل موضوعي للفرح، وكحاضنة صوتية للاحتفالات الأسرية التي ملأت الشوارع. وسط موجة الحر الصيفية المبكرة، تحولت هذه النسمات الموسيقية إلى مساحات تبريد وجداني جماعي، قبل أن تبلغ الفعالية ذروتها السينوغرافية في شارع الحبيب بورقيبة بنابل عبر عرض موسيقي ضوئي باهر.
هذا المزيج بين الصوت والضوء لم يكن مجرد استعراض بصري، بل كان إعلاناً صريحاً عن قدرة المدن التونسية على صناعة الفرح وهندسة السعادة العامة بأدوات بسيطة لكنها عميقة الأثر، لتؤكد “الوطن القبلي” التونسي مرة أخرى أنه ليس مجرد وجهة سياحية للشواطئ والرمال، بل هو منصة فكرية وحضارية رائدة تعرف كيف تصنع من الفن طاقة استثمارية تعيد صياغة جودة الحياة اليومية للمواطن والسائح على حد سواء.