جليلة كلاعي تونس
حين تصدح موسيقى “جورج بيزيه” في فضاء مسرحي مفتوح، لا تكتفي النوتات بالتحليق في الهواء، بل تبحث عن أجساد تعيد صياغتها حركياً وتمنحها بعداً ملحمياً يتجاوز حدود الزمن واللغة.
هذا الصيف، وتحديداً في صائفة 2026، لا تبدو تونس مجرد وجهة سياحية تستقبل عشاق الشواطئ، بل تتحول إلى خشبة عرض شاسعة تحتضن واحداً من أضخم المشاريع الإبداعية العربية المتوسطية، أوبرا “كارمن” الراقصة.
هذا العمل، الذي يلوح في الأفق كعلامة فارقة في المشهد الثقافي الإقليمي، يمثل توليفة بصرية وحسية معقدة، تنتجها مؤسسة “مسرح أوبرا تونس” برؤية كوريغرافية وإخراجية للمبدع سفيان أبو لقرع.
إنها مغامرة فنية تخرج بالفعل الأوبرالي من جدران المسارح المغلقة والنخبوية، لتلقي به في آتون المهرجانات الصيفية الجماهيرية، مراهنة على وعي المتلقي العربي وقدرته على تذوق الفنون المركبة.
تتجلى القيمة التحليلية لهذه الجولة في طبيعة الامتداد الجغرافي والاجتماعي للعروض التي لا تنكفئ على العاصمة التونسية، بل تقتحم فضاءات ثقافية متنوعة داخل البلاد.
تبدأ الرحلة من الجنوب الشرقي النابض بالخصوصية في مهرجان صفاقس الدولي نهاية يوليو، لتنتقل سريعاً إلى العمق الشعبي في وادي الليل بمنوبة، قبل أن تتسلق هضاب الشمال الغربي في مهرجان باجة الدولي، ثم تعود لمعانقة الساحل في المهرجان الدولي بالمنستير، لتختتم فصولها في مدنين.
هذا التنقل المدروس يمثل استراتيجية واعية للامركزية الثقافية، حيث يتحول المنتج الفني عالي الجودة إلى حق مشاع، يربط السائح العربي والزائر المحلي بتفاصيل البنية التحتية الثقافية للمدن التونسية، ويعيد اكتشاف هندستها المعمارية ومسارحها الصيفية من خلال لغة الجسد والموسيقى السيمفونية.
على الخشبة، تذوب الحدود الفاصلة بين الفنون، إذ لا يقدم العرض مجرد قصة تقليدية، بل يصهر 148عنصراً فنياً في تيار تعبيري واحد، يجمع بين انضباط “باليه أوبرا تونس”، وزخم “الأوركسترا السيمفوني التونسي”، وعمق “أصوات أوبرا تونس”.
هذه الضخامة العددية، الموزعة بين راقصين وعازفين و11 مغنياً منفرداً، تمنح الرواية الشهيرة للكاتب “بروسبير مريميه” بعداً درامياً متجدداً.
إن صراع الغجرية كارمن متقلبة العواطف بين الشرطي دون جوزيه ومصارع الثيران إسكاميلو، ليس مجرد حكاية حب وخيانة، بل هو تشريح عميق للمشاعر الإنسانية المتطرفة كالحرية والتملك والموت، تُترجم عبر فصول أربعة تختزل تناقضات الروح البشرية، وتجعل من العرض تجربة تأملية للمشاهد، يرى فيها انعكاساً لصراعاته الداخلية وسط أجواء احتفالية صيفية فريدة.
منظور السياحة الثقافية يقرأ هذا الحدث بوصفه رافعة حقيقية لجاذبية المقصد التونسي خلال هذا الموسم، فالأوبرا الراقصة لا تجذب جمهور الفن الفلكلوري أو الحفلات الغنائية التقليدية فحسب، بل تستقطب نخبة من السياح العرب والأجانب الباحثين عن تجارب سياحية نوعية تلتقي فيها متعة السفر بأصالة المعرفة الفنية.
إن دمج الموروث الكلاسيكي الغربي بلمسات وإمكانيات كوريغرافية وفنية تونسية خالصة، يقدم دليلاً حياً على قدرة الفضاء الثقافي العربي على قيادة حوار الحضارات من خلال الفن، لتصبح “كارمن” التونسية هذا الصيف سفيرة للجمال، ومحركاً لعجلة الحراك السياحي الذي يرى في تونس منارة تضيء ليالي المتوسط بالفكر والحركة والنغم.




