لم يكن مجرد حفل غنائي عابر، بل كان أشبه بزلزال فني أعاد ترتيب خارطة الحنين في وجدان الجمهور التونسي. حين وقف النجم المصري حكيم على خشبة المسرح الأثري بدقة، ليعلن العودة إلى الديار بعد غياب طال لأربعة عشر عاماً. في هذه الليلة الاستثنائية التي تزامنت مع اليوبيل الذهبي للمهرجان الدولي العريق، لم يأتِ حكيم ليغني فحسب، بل جاء ليحمل شعلة النوستالجيا ويضيء بها ثنايا الصرح الروماني القديم، محولاً مدرجاته التاريخية إلى ساحة احتفالية كبرى تمازجت فيها روح الموسيقى الشعبية المصرية بعراقة التاريخ التونسي، ليرسم لوحة فنية نادرة تعكس عمق الروابط الإنسانية والثقافية وتؤكد أن الفن الحقيقي لا يشيخ ولا يعرف الحدود.
تجلت عبقرية المشهد منذ اللحظات الأولى لاعتلاء الفنان الركح، حيث اشتعلت المدرجات بهتافات جماهيرية وتفاعل فاق كل التوقعات تحت شعار “كامل العدد”. انطلق صوت حكيم بأغنيته الشهيرة “السلام عليكم” ليفك شفرة الشوق المتبادل، ويتحول الحاضرون فوراً إلى كورال ضخم يعزف مع الفنان سيمفونية التناغم الإنساني. هذا الحضور الطاغي لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تراكم معرفي ووجداني امتد لعقود. فقد نجح حكيم عبر مسيرته في صياغة هوية غنائية شعبية متفردة اخترقت الوجدان المغاربي، وبدت تلك السهرة كمراجعة علنية لأرشيف ذهبي مشترك سافر فيه الجمهور بين ثنايا أغنيات حفرت في الذاكرة مثل “افرض مثلاً” و”حلاوة روح”، مما خلق حالة من الانصهار التام بين طاقة الفنان المتجددة على الركح وذاكرة متعطشة لزمن الفن الجميل.
إلى جانب استحضار الماضي، حملت هذه السهرة في طياتها بعداً إنسانياً عميقاً ورسائل ثقافية عابرة للحدود تليق بقيمة الحدث. فلم يكتفِ حكيم بنبش دفاتر الذكريات، بل اختار هذا الفضاء الأثري المهيب لإطلاق عمله الإنساني الجديد “رسالة”، وهي أغنية صاغها لتكون نداء سلام ومحبة ينطلق من عمق تونس إلى العالم بأسره، مما يبرز دور المهرجانات العريقة كمنصات لنشر القيم الكونية.
تضاعفت هذه القيمة العاطفية عندما مزج الفنان بين الفن والمشاعر الشخصية، معبراً بكلمات تونسية عفوية عن شدة اشتياقه لهذا البلد الذي يمثل محطة وجدانية أولى في مسيرته الفنية، ومشركاً ابنه “علي” لأول مرة في مرافقة تفاصيل هذا النجاح، لتتحول الليلة من مجرد استعراض فني إلى طقس إنساني دافئ يرسخ مكانة تونس كحاضنة للإبداع العربي ومحطة إجبارية في مسيرة الكبار.