جليلة كلاعي تونس
بين خشونة الحجارة التاريخية للمسرح الأثري بقرطاج ونعومة النوتات المنسابة في فضاء ليلته الاستثنائية، لم تكن الدورة الستون للمهرجان مجرد حدث عابر في روزنامة الصيف الثقافي العربي، بل تحولت إلى لحظة تجلٍّ حضارية امتزج فيها التاريخ بالمسقبل.
حين اعتلى الأوركستر السمفوني التونسي الركح بقيادة المايسترو شادي القرفي، لم يكن الجمهور على موعد مع عرض موسيقي كلاسيكي، بل مع عملية إحياء وإعادة صياغة للهوية البصرية والسمعية للأغنية التونسية.
هذا الحدث يمثل ذروة النضج الفني لمهرجان استطاع على مدار ستة عقود أن يظل بوصلة للإبداع العربي والعالمي، ليختار في اليوبيل الماسي أن يتصالح مع جذوره المحلية، مبرهناً على أن الكونية لا تتحقق إلا بالانطلاق من الخصوصية الثقافية وتطويرها بما يلائم لغة العصر الرقمي والسمفوني.

إن العمق التحليلي لهذا العرض، الذي حمل رمزية “موسيقات من بلادي”، يكمن في قدرته الفائقة على فك شفرات الذاكرة الموسيقية التونسية وإعادة تركيبها ضمن قوالب أوركسترالية معقدة دون أن تفقد الألحان أصالتها الشعبية أو شحنتها العاطفية.
لقد واجه الموزعون والمايسترو تحدياً بنيوياً تمثل في نقل ألحان صيغت أساساً للتخت الشرقي أو الآلات التراثية، إلى فضاء المجموعات الآلاتية الغربية الضخمة من وتريات ونفخ وإيقاع.
هذه العملية لم تكن مجرد “تغريب” للمنتج الموسيقي المحلي، بل كانت استنطاقاً للمقامات التونسية الأصيلة وإبرازاً لثراء أبعادها الهارمونية، مما أتاح لروائع الملحنين الرواد، أمثال محمد التريكي وصالح المهدي والصادق ثريا، أن تكتسب أجنحة سمفونية تحلق بها بعيداً عن الأنماط التقليدية الجاهزة.

هذا التمشي الإبداعي يعكس رؤية ثقافية وسياحية عميقة تدرك تماماً أن تثمين التراث اللامادي هو الرافعة الحقيقية لجاذبية المقاصد السياحية النخبوية في تونس. فالأغنية التونسية، بخصوصيتها المقامية وإيقاعاتها المتفردة، تمثل خزان ذاكرة جماعية لا ينضب، ومثل هذا الصهر السيمفوني يمنحها تأشيرة عبور نحو الساحة الدولية ويجعل من تونس مركز ثقل ثقافي قادر على استقطاب صناع الرأي وعشاق الفنون الراقية من مختلف أنحاء العالم.
يمتد هذا التحليل ليشمل أيضاً جيل الثمانينات الذي حظي بتكريم لافت في العرض عبر استحضار منجز الملحن عبد الكريم صحابو، وهو ما يؤكد على تواصل الأجيال الفنية في تونس وعدم وجود قطيعة معرفية بين جيل التأسيس وجيل التطوير، بل هو نهر متدفق من الإبداع يرفد بعضه بعضاً.




