لم يكن اعتلاء الفنان المصري أحمد شيبة خشبة المسرح الأثري بأوذنة مجرد ليلة طربية عابرة، بل كان إعلاناً صريحاً عن ولادة مشهد ثقافي وسياحي متكامل يعيد صياغة العلاقة بين الإرث الروماني العريق والوجدان الشعبي العربي المعاصر.
في هذه البقعة التاريخية من ولاية بن عروس التونسية، تداخلت تضاريس العمارة القديمة مع نبرات الشجن القادمة من أحياء مصر العتيقة، لتفتتح الدورة الثانية للمهرجان الدولي للفنون الشعبية بأوذنة في تظاهرة تجاوزت حدود الترفيه لتلامس أبعاداً تنموية واجتماعية بالغة الأهمية. إن اختيار نجم الأغنية الشعبية المصرية لقص شريط الافتتاح يعكس وعياً عميقاً من القائمين على المهرجان بضرورة مد الجسور الثقافية بين أقطاب الفن الشعبي في الوطن العربي، وهو ما تجلى في التفاعل الاستثنائي للجمهور التونسي الذي ردّد كلمات “آه لو لعبت يا زهر” و”بحبك يا صاحبي” في تناغم يثبت أن الوجدان العربي يمتلك لغة مشتركة تتجاوز الحدود الجغرافية واللكنات المحلية.
هذا الحدث يتجاوز في عمقه مجرد تنظيم حفلات موسيقية؛ فهو يمثل استراتيجية سياحية ذكية تعيد إحياء المواقع الأثرية المنسية خارج العاصمة تونس، وتحولها إلى نقاط جذب ديناميكية. مسرح أوذنة، الذي ظل لقرون شاهداً صامتاً على حضارات متعاقبة، تحول بفضل هذه الرؤية إلى فضاء حيّ ينبض بالحياة، مما يساهم بشكل مباشر في تنشيط السياحة الثقافية الداخلية والخارجية. إن دمج الفنون الشعبية، التي تمثل الهوية الحية للشعوب، مع الفضاءات الأثرية التي تمثل الذاكرة المادية، يخلق تجربة سياحية فريدة تبحث عنها الأجيال الجديدة من المسافرين الذين يفضلون الأصالة والعمق الثقافي على الأنماط السياحية التقليدية المستهلكة.
من جانب آخر، تميزت هذه الدورة ببعد إنساني واجتماعي لافت يعكس وعي المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية ببن عروس بمسؤوليتها تجاه المجتمعات المحلية المحيطة بالأثر. إن تخصيص مئات التذاكر المجانية للعائلات محدودة الدخل من مناطق الخليدية وبروطة، واعتماد أسعار رمزية للبقية، يخرج المهرجان من دائرة “النخبوية” إلى فضاء “المواطنة الثقافية”. هذا الدمج لمتساكني المنطقة في قلب الحدث يحولهم من مجرد جيران لموقع أثري إلى حراس حقيقيين لهذا الإرث ومستفيدين مباشرين من الحراك الاقتصادي والسياحي الذي يرافقه، وهو جوهر التنمية المستدامة التي تسعى إليها المجتمعات الحديثة.
بالنظر إلى البرمجة الممتدة حتى مطلع شهر أوت، نجد أن المهرجان يرسم خارطة طريق للمحافظة على التراث الموسيقي وتطويره. فالتنوع بين عروض “الربوخ” التونسية، والفلكلور الشعبي، والأصوات الطربية الأصيلة، وصولاً إلى الختام مع الرمز الفني الهادي حبوبة، يمثل قراءة واعية للتحولات التي تمر بها الأغنية الشعبية العربية.
إن المهرجان الدولي للفنون الشعبية بأوذنة يثبت اليوم أنه ليس مجرد محطة في أجندة الصيف، بل هو منصة فكرية وفنية تؤكد أن الفن الشعبي هو القناة الأكثر صدقاً لتعزيز السياحة العربية البينية، وترسيخ الهوية في عالم يتجه بسرعة نحو العولمة الثقافية.