جليلة كلاعي تونس
تخيّل أن تجلس في ليلة صيفية قرطاجية، والنسيم المتوسطي يحمل إليك فجأة رائحة طمي نهر الميسيسيبي، وصدى صلوات الكنائس القديمة في جنوب أمريكا، ممتزجاً بخشخشة قطارات السكك الحديدية التي أثقلتها حكايات العمال السود.
هذا تماماً ما حدث على ركح مهرجان الحمامات الدولي في دورته الستين، حين اعتلى الفنان الأمريكي “بيغ دادي ويلسون” المسرح في سهرة الحادي والعشرين من جويلية.
لم يكن الأمر مجرد حفل غنائي ترفيهي عابر يضاف إلى أجندة الصيف التونسي، بل كنا أمام طقس استحضاري بامتياز، تداخلت فيه الجغرافيا بالتاريخ، وتماهت فيه الحدود الثقافية لتتحول موسيقى “البلوز” من مجرد نوتات حزينة إلى سيرة ذاتية وكونية تُروى بلسان الصدق الإنساني.
دخل ويلسون المسرح بكاريزما لافتة، مرتدياً نسيجاً من الهوية البصرية لجنوب أمريكا، بدلة سوداء كلاسيكية وقبعة عريضة الحواف ونظارات داكنة تخفي وراءها عقوداً من السفر والتأمل.
غير أن المفاجأة الحقيقية لم تكن في هذا المظهر المألوف لرواد البلوز، بل في طبيعة صوته الأجش، الدافئ، والعميق، الذي امتلك قدرة غريبة على النفاذ إلى الوجدان دون استئذان.
من المفارقات التحليلية التي فرضت نفسها في هذا العرض، أن ويلسون لم يأتِ ليعيد إنتاج “البلوز” كباقة من الأغاني الجاهزة، بل قدّمه في إطار فلسفي يقوم على “سردية الحقيقة”.
لقد جعل من منصة الحمامات العريقة مساحة للحكايات الحية، معتبراً أن الأغنية لا تكتمل قيمتها إلا إذا كانت وليدة تجربة حقيقية، وهو ما تجلى في ألبومه الجديد الذي اختار له تيمة الأمل والابتسامة، في محاولة واعية لتفكيك الصورة النمطية للبلوز باعتباره بكائية مستمرة، وتحويله إلى طاقة للمقاومة الروحية والبهجة المكتسبة.
على مدار مئة دقيقة، قاد ويلسون الجمهور في رحلة أنثروبولوجية وصوتية عبر محطات حياته.
بدأها من إيقاعات قطارات السكك الحديدية حيث تشكلت “أغاني العمل” الأولى للعمال الأفارقة في أمريكا، مرواً بقصص الحب والانفصال التي امتزجت فيها الكوميديا بالدراما الإنسانية، وصولاً إلى استحضار الروحانيات العميقة التي تعكس إيماناً لا يتزعزع بالخلاص.
لقد تجلى ذكاء ويلسون الفني في قدرته على تحويل الشخصي إلى عام؛ فحين غنى عن ذكريات دراسته الثانوية أو رحلته الأولى إلى تكساس واكتشافه للموسيقى، لم يكن يروي سيرته الفردية بقدر ما كان يلمس أوتاراً مشتركة لدى الحاضرين حول فكرة الحنين، البدايات، واكتشاف الذات.
هذا البعد التواصلي العالي كسر جدار اللغة، وجعل الجمهور التونسي والعربي يتفاعل مع نصوص الأغاني وكأنها كتبت بلسانه، مبرهناً على أن المشاعر الإنسانية الكبرى كالحزن، والأمل، والغربة، لا تحتاج إلى تراجم بقدر ما تحتاج إلى صوت صادق يحملها.




