آخر الأخبار

صدى الطرب في حضرة “بوقرنين”: كيف أعاد وائل جسار صياغة جغرافيا السياحة الثقافية في حمام الأنف

شارك

جليلة كلاعي تونس

لم تكن ليلة السادس والعشرين من جويلية لعام 2026 مجرد ليلة صيفية عابرة على ضفاف المتوسط، بل كانت اللحظة التي تلتحم فيها عراقة التاريخ بقدسية الفن الأصيل.


حين امتزجت حبات المطر المنعشة بهتافات الآلاف المرابطين في مدارج مسرح الهواء الطلق بحمام الأنف، بدا مشهد افتتاح الدورة الرابعة والأربعين لمهرجان بوقرنين الدولي كلوحة حية تجسد مفهوم “المقاومة بالجمال”.
في تلك الأمسية الاستثنائية، لم يفتتح الفنان اللبناني وائل جسار فعاليات هذا المحفل العريق بصوته المشبع بالشجن والوقار الفني فحسب، بل أعاد ضخ الحياة في شريان السياحة الثقافية لولاية بن عروس، مبرهنًا على أن الرهان التونسي على الفن الراقي يظل الرافعة الأساسية لتنشيط المشهد السياحي واجتذاب عشاق الثقافة من شتى أرجاء الوطن العربي.

يأخذنا هذا الحدث، في عمقه التحليلي، إلى ما وراء حدود الركح الموسيقي.
إن صمود آلاف المتفرجين لأكثر من ساعة تحت وطأة أمطار مغتسلة بنسيم الجبل والبحر، متمسكين بأماكنهم أمام شبابيك مغلقة سلفًا، يعكس ظاهرة سوسيولوجية وفنية تستحق التأمل.
فالجمهور التونسي، بوعيه الجمالي المعهود، أثبت مجددًا أن العلاقة بينه وبين الطرب الأصيل هي علاقة وجدانية متجذرة لا تؤثر فيها تقلبات الطقس.
هذا الشغف الجماهيري، الذي قوبل بامتنان جارف من “ملك الإحساس” الذي استذكر ثلاثين عامًا من الوفاء المتبادل مع تونس، يمثل في جوهره رأس مال غير مادي يخدم مباشرة قطاع السياحة المحلية.


فالفعاليات من هذا الحجم لا تنشط الليالي الصيفية للمدينة فحسب، بل تحول حمام الأنف إلى وجهة سياحية وثقافية نابضة، تعيد الاعتبار للمدن التاريخية وتدعم الدورة الاقتصادية للمنطقة من خلال تشغيل المرافق السياحية والخدمية المحيطة بالمهرجان.

من زاوية أخرى، يكشف المخطط الفني لهذه الدورة، التي تقودها المديرة إقبال الحمزاوي وتستمر حتى الثالث عشر من أوت، عن رؤية استراتيجية واعية تعتمد على التنوع والعمق الثقافي كعناصر جذب رئيسية.
إن صياغة برنامج يجمع بين النجوم العرب الفاعلين مثل وائل جسار، وبين التجارب البديلة كالثنائي نور وسليم عرجون، والامتداد المغاربي عبر فرقة “البسطة” و”أمين بابيلون”، فضلاً عن العروض المسرحية والموسيقية المحلية ذات البعد الطليعي، يمثل قراءة ذكية لمتطلبات السائح المعاصر.
لم يعد الزائر يبحث عن الترفيه السطحي، بل بات يطلب تجربة ثقافية متكاملة تتسم بالأصالة والتعددية.
هذا المزيج المدروس يعزز من تنافسية مهرجان بوقرنين كمنصة إشعاع عربي ودولي، قادرة على استقطاب فئات متنوعة من السياح الباحثين عن عمق المضمون وجودة الأداء.

في المحصلة، يثبت افتتاح مهرجان بوقرنين الدولي في دورته الحالية أن الثقافة هي القوة الناعمة التي تعيد رسم ملامح الجذب السياحي في تونس والمنطقة العربية.
إن نجاح ليلة الافتتاح رغم التحديات المناخية، والإعلان عن مشاريع فنية جديدة من قلب ضاحية بن عروس، يبعث برسالة قوية ومطمئنة حول حيوية المقاصد السياحية التونسية وقدرتها على تنظيم تظاهرات كبرى تجمع بين سحر المكان وعراقة الإبداع.


ستبقى ليالي بوقرنين، الممتدة حتى الاحتفاء بالمرأة التونسية في اختتامها، دليلًا متجددًا على أن الاستثمار في الفن الطربي والموروث الثقافي هو الضمانة الحقيقية لبناء سياحة مستدامة ومؤثرة، تتجاوز حدود الفصول لتستقر في ذاكرة الزائرين كأجمل الحكايات العربية.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *