لطالما كانت الموسيقى لغة الشعوب التي لا تحتاج إلى تراجم، لكن ما حدث على خشبة مسرح الهواء الطلق بالحمامات تجاوز مجرد التلاقح الثقافي التقليدي، ليتحول إلى حالة من الاتحاد الوجداني الكامل بين حضارتين تفصلهما المحيطات وتجمعهما حرارة الأرض وشغف الحياة. حيث لم يكن العرض التاريخي لفرقة “بوينا فيستا أوركسترا” الكوبية مجرد جولة فنية عابرة لفرقة عالمية افتتحت من تونس رحلتها الكونية الجديدة، بل كان أشبه باستدعاء طقسي لـ “ذاكرة تعيش” ــ وهو الشعار الذي يرفعه مهرجان الحمامات الدولي في دورته الستين ــ ليعيد صياغة العلاقة بين الجمهور والركح في لوحة تعبيرية حية امتدت وهجها إلى ما بعد إسدال الستار. إن هذا التماهي المذهل لجمهور الحمامات، الذي لم يكتفِ بمقعد المشاهد بل تحول إلى شريك فاعل في صناعة الحدث، يقدم دليلاً قاطعاً على عمق ذائقة الجمهور التونسي وقدرته الاستثنائية على تفكيك الشيفرات الإيقاعية المعقدة للموسيقى اللاتينية والاندماج معها كأنها جزء من هويته الثقافية الحركية.
هذا التدفق الإنساني الذي ملأ مدرجات المسرح تحت لافتة “شبابيك مغلقة” لم يأتِ من فراغ، بل يعكس حنيناً دفيناً وشغفاً جماعياً بإرث مشروع “بوينا فيستا سوشيال كلوب” الأسطوري، الذي أعادت الأوركسترا الكوبية إحياء روحه بقيادة المايسترو وعازف الكمان الفذ رولاندو موريخون رييس. ومن خلال تحليل النسيج الموسيقي الذي قُدّم في تلك الليلة الاستثنائية، نجد أن الفرقة نجحت في تقديم قراءة أنثروبولوجية عميقة للتراث الكوبي، متنقلة بسلاسة وبراعة بين أنماط السون كوبانو، والبوليرو الغنائي الرومانسي، والرومبا الشعبية، وصولاً إلى موسيقى الريف الكوبي “الغواخيرا”. وقد تجسد هذا الثراء الثقافي في الحوار الشجي بين الآلات، لا سيما آلة “التريس” الوترية التقليدية التي تعد بمثابة الحبل السري للموسيقى الكوبية، والتي تمازجت بشكل ساحر مع رنين البيانو، وقوة الآلات النفخية، والنبض البدائي المتدفق من طبول الكونغا والماراكاس، مما خلق فضاءً صوتياً مغناطيسياً جذب الجمهور إلى داخل الدائرة السحرية للإيقاع.
إن ذروة العرض ومكمن عبقريته التحليلية تجليا في تلك اللحظة الفارقة التي أعلن فيها الموسيقيون نهاية الحفل، حيث رفض الجمهور الخضوع للمفهوم التقليدي لانتهاء العرض، معلناً العصيان على الزمن والمسافة عبر التصفيق الهادر والهتافات المتواصلة التي أجبرت الأوركسترا على العودة إلى الركح. هذا الرفض الجماعي للمغادرة لم يكن مجرد مجاملة عابرة لفرقة متميزة، بل كان تعبيراً عن حالة من الانعتاق الروحي والجسدي، حيث تحولت المدرجات إلى ساحة رقص مفتوحة تلاشت فيها الفوارق بين الأعمار والجنسيات والثقافات.
في تلك اللحظات المتأخرة من الليل، تحول مسرح الحمامات من فضاء للعرض إلى فضاء للمقاومة بالفرح، لتؤكد السهرة في النهاية أن الموسيقى الكوبية اللاتينية، برغم منشئها الكاريبي البعيد، تلمس وتراً كونياً حساساً في الشخصية التونسية المحبة للحياة، وتثبت أن المهرجانات العريقة لا تقاس فقط بجودة ما يقدم على الخشبة، بل بقدرتها على تحرير الطاقات الإنسانية الكامنة وجعل الفن تجربة حية تُعاش وتُتوج بالرقص حتى الرمق الأخير.