جليلة كلاعي تونس
يتجاوز الصيف في تونس كونه مجرد فصل للطقس الحار وعطلات الشواطئ، ليتحول إلى حالة من الوجد الجماعي تضيء ليل المحافظات وتتنفس عبرها الحجارة الأثرية عبق التاريخ ونبض المعاصرة. وفي هذا المساء، الخميس الثلاثين من جويلية، تتجلى هذه الحالة الثقافية الفريدة لتؤكد أن المهرجانات الصيفية التونسية لم تعد مجرد ترفيه عابر، بل هي عماد حقيقي لصناعة السياحة الثقافية وبوابة رئيسية لجذب الزائر العربي الباحث عن الأصالة والتنوع والعمق الفني الذي يندر العثور عليه في قالب واحد.
إن المتأمل في خارطة سهرات هذا الليلة يدرك بوضوح ذلك التوازن الذكي بين العالمية والهوية المحلية، وهو السر الدفين وراء ريادة تونس لمشهد المهرجانات العربية، فبينما يفتح مسرح قرطاج الأثري ذراعيه لاستقبال العرض الإسباني الراقص “الأرض المباركة”، ليمتزج صدى الفلامنكو بجدران الحضارة القرطاجية في حوار كوني ساحر، يختار مسرح الحمامات الدولي زاوية مغايرة تماماً عبر مشروع “عيطة مون أمور”، هذا العرض البديل الذي يستنطق الذاكرة الشعبية التونسية المغربية بأسلوب تجريبي معاصر، مما يثبت أن تونس لا تستورد الثقافة الفنية فحسب، بل تطرحها كمنصة للمساءلة الفكرية والجمالية وإعادة إحياء الجذور المشتركة لمنطقة المغرب العربي.
هذا الحراك الإبداعي لا ينكفئ على الواجهات السياحية الكبرى للعاصمة والساحل، بل يتمدد بوعي لافت نحو الجهات والمدن الداخلية والمواقع التاريخية المنسية ليعيد صياغة مفهوم التنمية الثقافية، إذ يشهد مسرح بوقرنين بحمام الأنف نبض الشارع التونسي في سهرة وفية للأغنية الشعبية، في حين يمتزج الطرب الأصيل بعبقرية المكان في الموقع الأثري بأوذنة عبر صوت عبد الكريم البنزرتي، وهو ما يمثل نموذجاً ملهماً لكيفية تحويل التراث المادي إلى فضاءات حية تستقطب العائلات والسيّاح، بالتوازي مع اختتام منارات تراثية أخرى اليوم كمهرجان المالوف بتستور ومهرجان الحناء بشنني قابس، والتي تمثل حائط الصد الأول لحماية الهوية والخصوصية المحلية من التنميط.




