آخر الأخبار

نبض الطرب في ليل “الزهراء”: محرزية الطويل تعيد صياغة المشهد الثقافي في بن عروس

شارك

جليلة كلاعي تونس

حين تصمت المسارح لسنوات، لا يغيب عنها الضوء وحده، بل تخسر المدن جزءاً من هويتها الوجدانية وذاكرتها الجماعية. من هذا المنطلق، لم يكن اعتلاء الفنانة الطربية محرزية الطويل ركح مسرح الهواء الطلق بالزهراء مجرد سهرة افتتاحية عادية للدورة الخامسة والأربعين للمهرجان الصيفي العريق بولاية بن عروس، بل كان بمثابة إعلان رسمي عن عودة الروح الثقافية لجهة كاملة، واسترداد لزمن فني جميل حُرم منه الجمهور على مدار أكثر من سبع سنوات من الغياب القسري. إن هذا الحفل، الذي شهد حضوراً جماهيرياً لافتاً، يمثل في جوهره نقطة تحول محورية تتجاوز حدود الترفيه العابر إلى تثبيت دعائم السياحة الثقافية المستدامة في تونس، حيث يمتزج عبق المكان بجماليات النغم الأصيل ليخلق تجربة سياحية وثقافية متكاملة الأركان.

تتجلى القيمة التحليلية لهذا الافتتاح في نجاح الفنانة محرزية الطويل في توظيف خاماتها الصوتية الاستثنائية لربط الحاضر بالماضي، مستحسنةً ذائقة جمهور متعطش للفن الراقي، ومقدمةً توليفة غنائية تراوحت بين الموشحات الطربية والأغاني التونسية الخالدة التي تحاكي الوجدان التونسي والعربي.


هذا الاختيار الفني لم يكن اعتباطياً، بل يعكس توجهاً واعياً من إدارة المهرجان لإنعاش الذاكرة الموسيقية المشتركة كخطوة أولى لإعادة بناء الثقة بين الركح ومرتاديه.
إن تفاعل المدارج مع النغمات والأنغام يؤكد أن المراهنة على الفنون الحية والأصيلة تظل الرهان الأنجع لإحياء المنشآت الثقافية، وتحويلها إلى نقاط جذب ديناميكية قادرة على تنشيط الحركية الاقتصادية والسياحية في الضاحية الجنوبية للعاصمة.


بين الثالث والخامس عشر من هذا الشهر، يرسم مهرجان الزهراء ملامح سياسة ثقافية متجددة تقوم على التنوع والانفتاح، من خلال برمجة سينمائية ومسرحية وموسيقية تجمع بين التراث الجربي الأصيل، سينما الواقع، الكوميديا الساخرة، والإيقاعات الشبابية المعاصرة.


هذا التعدد يمنح المهرجان بعداً ديمقراطياً يلبّي تطلعات مختلف الفئات العمرية والاجتماعية، ويؤهل ولاية بن عروس لتتبوأ مكانتها المستحقة كوجهة ثقافية بارزة على خارطة المهرجانات الصيفية الدولية والتونسية.


في النهاية، تثبت دورة “عودة الروح” أن المسارح لا تموت، وأن الفن الصادق، كشجرة الياسمين، قد يذبل حيناً بفعل الغياب، لكنه يزهر مجدداً بمجرد أن تلامسه أصوات المبدعين وأكفّ الجماهير الوفية.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *