أوتار الشام في قرطاج: كيف يرمّم الحنين جسور الموسيقى العربية العابرة للأجيال

شارك

جليلة كلاعي تونس

لم يكن الوقوف على خشبة المسرح الأثري بقرطاج يوماً مجرد نزهة فنية عابرة، بل هو دائماً بمثابة معمودية جدارة لا ينجو منها إلا من امتلك سرّ النغمة وسلطان الأثر.


وفي تلك الليلة الاستثنائية التي احتضنتها المدارج الرومانية التاريخية، تحوّل المهرجان العريق إلى محراب عتيق لاستحضار زمن الطرب الجميل، عبر توليفة شامية خالصة جمعت بين أصالة المخضرمين وحماس الشباب. لم يكن الحفل مجرد استعراض لبطاقات الهوية الفنية، بل كان قراءة تحليلية عميقة في بنية الذاكرة الجمعية العربية، وتأكيداً حياً على أن “الحنين” ليس مجرد ارتداد نكوصي نحو الماضي، وإنما هو طاقة حيوية قادرة على تجديد دماء الحاضر وربط أواصر الأجيال.

افتتح السهرة الفنان الشاب محمد خيري، الذي لم يأتِ إلى قرطاج محملاً بصوته فحسب، بل بإرث ثقيل من الموشحات والقدود الحلبية التي صاغت وجدان الموسيقى الشرقية لقرون.


إن خطورة المهمة التي تصدى لها خيري تكمن في كونه يغني في ظل قامات رحلت، وعلى رأسها الراحل الكبير صباح فخري، مما يضعه أمام تحدي إثبات الذات دون السقوط في فخ “المحاكاة الببغاوية”. غير أن الأداء الذي قدمه كشف عن وعي تفكيكي متطور، فقد تعامل مع التراث بوصفه نصاً حياً قابلاً للتأويل وليس متحفاً مغلقاً.


بفضل خامته الصوتية العريضة وتمكنه من المقامات المعقدة، نجح في تحويل المدرج إلى ساحة تفاعلية حماسية، حيث أثبت أن الشباب العربي لا ينفصل عن جذوره إذا ما وجد الصوت الذي يخاطب ذائقته بذكاء واحترام.

ومع صعود “مطربة الجيل” ميادة الحناوي، انتقل الحفل من مرحلة التأسيس التراثي إلى ذروة التماهي الوجداني.
إن حضور الحناوي على المسرح يتجاوز البعد الغنائي المجرد وتحول حضورها إلى رمزية فنية طاغية بامتياز، فهي تختزل في شخصها وصوتها العصر الذهبي للأغنية العربية، حيث الكلمة المنحوتة بعناية واللحن الممتد الذي يتنفس براحة.
عندما شدت بروائعها الخالدة مثل “أنا بعشقك” و”كان يا ما كان”، لم يكن الجمهور التونسي يستمع إلى أغنيات، بل كان يستعيد فصولاً من حياته وعواطفه.
لقد بدا واضحاً من خلال التفاعل الاستثنائي للجمهور، الذي غصت به المدارج، أن تلك الألحان التي صاغها كبار العمالقة مثل بليغ حمدي ومحمد الموجي لا تزال تمتلك قوة راهنة عابرة للزمن، قادرة على هزيمة السائد والاستهلاكي

تكمن القيمة الفلسفية لهذه السهرة في تجسيدها الحي لجدلية التواصل بين الأجيال، فالجمع بين طاقة محمد خيري المتجددة وخبرة ميادة الحناوي الراسخة قدم نموذجاً يحتذى به في كيفية صون الهوية الفنية العربية.


إنها رسالة بليغة من قلب قرطاج تفيد بأن الساحة الثقافية والسياحية العربية لا تزال قادرة على تصدير الجمال والرقي، وأن الرهان على الأغنية الأصيلة هو رهان رابح دائماً.
في نهاية المطاف، غادر الجمهور المسرح وهو يحمل معه يقيناً جديداً: أن قطار الطرب الجميل لم يتوقف، بل إنه يغير محطاته فقط، مستمداً وقوده من عمق التاريخ ومن شغف جيل جديد يرفض أن ينسى.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *